أخبار العالم / مصر / المصرى اليوم

شاعر البؤس والصعلكة (6)

تصعلك الشاعر عبدالحميد الديب كثيراً فى المقاهى والمواخير، ونام عند الأصدقاء وفى الخربات وفى المساجد لأنها فى فترته لم تكن تُغلق بعد صلاة العشاء، وها هو يحكى حكايته فى غرفة متواضعة بائسة استأجرها من صاحبها الشيخ «جمعة» ودفع له ريالا مقدم إيجار، على أن يدفع بقية الإيجار لاحقا، وتمر الشهور ولا تتيسر للديب الأمور فيعجز عن الدفع، واضطر الديب للاختفاء من الشيخ جمعة بالصعود إلى الغرفة آخر الليل والهرب منها فى باكورة الصباح، وقرر الشيخ تزهيقه حتى يرحل فأشرك معه فى الغرفة أحداً آخر، وعاد الديب ليلا ليجد من يشاركه السكن هو «جدى» يملؤها مأمأة وبولاً وفضلات ذاتية أو من بقايا البرسيم، وذهب من فوره للشيخ يعده بأن يدفع قريبا ويطلب منه إجلاء الجدى من الغرفة، لكن الشيخ بخبث أخبره بأنه سيبقى الجدى مدة ثلاثة شهور حتى يحل عيد الأضحى ويذبحه حينذاك، وخيره بين البقاء والرحيل!. تحمل الديب أسبوعاً كاملاً ثم فوجئ بأن الغرفة قد تحولت إلى حظيرة وهناك «صرصور» كبير يتجول فى أرجائها، وبقليل من التأمل اكتشف أنه ممكن طرد الضيف الأول بالضيف الثانى، وبعودين من الخشب أمسك الديب بالصرصور ووضعه بعناية داخل صرصور ودن الجدى، وفى بضع ثوانٍ جن جنون الجدى وبدأ يرقص رقصة الشارلستون ثم الرومبا ثم ازداد رقصه عنفاً وانتهى برقدته على الأرض يتمرغ ويتشنج، ثم أسرع الديب للشيخ حتى يلحق جديه الذى يحتضر، وحضر الشيخ الذى ذبح الجدى وطرد الديب فى الوقت ذاته.

وقد دخل الديب مستشفى المجانين فعلا، لكن بمكيدة تريد به الخير، كما قال فى مذكراته «يوميات مجنون» التى نُشرت فى حلقات بمجلة «الاثنين»، عبر وساطة كلفه وكيل الطب الشرعى بإعطاء ابنه دروساً فى الحساب الضعيف فى تحصيله، وكان الديب أيامها قد تمكن الهيروين من عقله تماماً، وها هى نماذج المسائل الحسابية التى كان يعطيها للطفل المسكين: اشترى تاجر 70 دقيقة، وباعها بألف أردب من البقر (!!)، فبكم اشتراها إذا كان مكسبه ألف خروف؟!، والعجيب أن الطفل نجح بتفوق فى الحساب، وطلبه الأب وأعطاه مكافأة زوجاً من الجنيهات، وفوق ذلك وعده بمفاجأة كبيرة لو جاء فى الغد إلى مكان حدده الأب، وعندما استفسر الديب عن طبيعة المكافأة أخبره الرجل بأنها كيس من الهيروين الفاخر ماركة «أبو قراعة الأصلى»!، وكان الموعد على باب مستشفى المجانين فى الخانكة، تحدثنا المذكرات عن الليلة الليلاء التى قضاها الديب فى الشوارع منتظرا بصبر نافذ مجىء الفجر، وفى الموعد وبدلا من أن يجد والد الطفل حاملاً كيس الهيروين ماركة أبو قراعة، فوجئ بتشكيل جهنمى من الممرضين يهجمون عليه. وإذا به نزيلا بالخانكة للعلاج من الإدمان.

استسلم الديب لقدره، وعاش فى المستشفى، وبعد فترة فوجئ الديب بمن ينادى عليه باسمه مصحوبا بلقب «أفندى»، ولم يكن من ينادى عليه سوى تلميذه السابق مأمون الذى جاء لزيارته، أما سبب زيارة التلميذ فهو أن مأمون شاهد مسرحية مع والده، ويموت البطل فى المسرحية من إدمان الهيروين، فيعتقد مأمون أن أستاذه قد مات هو الآخر، وأسرف مأمون فى البكاء حزناً على معلمه، فلم يجد والده مفراً من اصطحاب مأمون ليرى بعينيه أن معلمه مازال حيا ويشغل سريراً فى الخانكة.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

انت الان تتصفح خبر بعنوان شاعر البؤس والصعلكة (6) ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

قد تقرأ أيضا