شابات يواجهن آلام النفس والوصم

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

رغم الوصم الاجتماعى الملاحق للاضطرابات النفسية وما يتداول عنها من معلومات وتصورات خاطئة، إلا أن البعض ينجح فى كسر دائرة الصمت عن آلام النفس ومتاعبها والأعراض المرضية الملحة، ويلجأون لطلب الدعم والمشورة النفسية، إما فى تحدٍ جلى للصور النمطية عن العلاج النفسى وما يلاحقه من نبذ وتندر، أو بالتحايل عبر عدم الإفصاح عن هوياتهم الحقيقية عند زيارة الطبيب، وإخفاء أمر زيارة الطبيب عن الأقارب والأصدقاء وحتى الدوائر المقربة، وهو القرار الذى اتخذته ن. أ، شابة عشرينية، قررت زيارة عيادة الطبيب النفسى بعد أن مرت بتجربة عاطفية صادمة أفقدتها التوازن والقدرة على التفاعل مع الحياة اليومية.

عند الاتصال بالعيادة النفسية أول الأمر، تخيرت «ن.أ» اسما مستعارا للحجز لدى الطبيب، ولم تُفصح عن بيانات خاصة، كطبيعة عملها أو محل إقامتها، الأمر الذى لم يبادر الطبيب بمحاولة كشفه. من الجهة الأخرى، أخفت عن الأصدقاء والعائلة أمر زيارتها للطبيب النفسى فتقول: «محدش كان يعرف خالص أنى بشوف الدكتور، كنت بقول إنى راحة لدكتور المعدة، حتى أهلى ماقولتلهمش، دا كلام ماحدش يستوعبه، كانوا هيشوفوا إن دا هبل، أو رد فعلهم مكانش هيبقى كويس، هيقولوا جبتلهم العار».. لاحق الخجل الشابة كذلك أثناء زيارتها الأسبوعية للطبيب، إذ كانت تشعر بالخجل عندما تطأ قدمها عيادة الطبيب، وتخشى أن تتعثر فى أحد الأصدقاء أو الجيرة فى طريقها للعيادة وتعجز عن تبرير وجودها.

على مدار رحلة العلاج لم تحصل «ن» على تشخيص دقيق لحالتها النفسية، فكان الطبيب يشير فقط لإصابتها بصدمات نفسية مُتكررة، ونصحها بالقيام بأنشطة مختلفة خلال اليوم للتغلب على الفراغ، إضافة إلى وصف علاج دوائى تعاملت معه بحرص شديدة خشية إدمانه كما تصف، إلا أن اليأس من جدوى العلاج أصابها سريعًا وحاولت استبدال الطبيب ثم عدلت عن القرار فتقول: «وقتها كنت بقول لنفسى، إن الإنسان طبيب نفسه، ولازم اتغلب أنا على مشكلتى، وحسيت إن الدكتور كان بيستنزف طاقة وفلوس وبس».

تابعت عامًا كاملًا مع أخصائي نفسي سرًا.. ندمت بعد إخبار أهلي.. الناس عمومًا ينكرون المرض النفسي

بعد فترة زمنية، انقطعت «ن» عن زيارة الطبيب النفسى، وفى محاولة لتخطى مرحلة العلاج قامت بحظر حسابات طبيبها على مواقع التواصل الاجتماعى، إلا أنها لاحقًا أدركت بعدًا آخر لجدوى الرحلة العلاجية فتقول: «أنا أدركت أنى فعلا كنت مريضة، زى ما يكون ضرسك بيوجعك، ولما سبت الدكتور عرفت أنه عمل فرق فى حياتى»، اليوم فى بعض الأحيان تتعثر فى أصدقاء أو زملاء يعانى بعضهم من متاعب وآلام نفسية، تقدم لهم النصح وفقًا لأحاديثها مع الطبيب، وتوجيهاته السابقة لها، فى بعض الأحيان تقترح على البعض زيارة الطبيب النفسى للحصول على مشورة صحية حقة ودعم ملائم لاحتياجاتهم الفعلية، إلا أن الأغلبية ترفض الاقتراح حسبما تُوضح: «لما بقول لحد من أصحابى يروح لدكتور نفسى بيقولى «ليه هو أنا مجنون؟» للأسف مجتمعنا لسه مش عاوز يسمع كلام عن الطب النفسى».

لدى مريم – اسم مستعار- تجربة مختلفة فى رحلة العلاج النفسى، بدأت بشعورها القوى والمستمر بالحزن دون بيان سبب محدد للمشكلة، إلا أن قرار زيارة الطبيب لم يكن على قدر من البساطة، إذ حاولت تخطى إرث المجتمع المحيط وصورته عن العلاج والأمراض النفسية الذى استقته مباشرة من أسرتها فتقول: «أنا أسرتى كلها دكاترة، مع ذلك مش متفهمين، وعندهم ميل للوصم وبيشوفوا اللى بيروح لدكتور نفسى عنده مشاكل ومجنون، علشان كدا كان صعب عليا أغير الفكرة دى وأروح للدكتور، ومعملتش كدا إلا أما كنت محتاجة جدًا للمساعدة وفشلت كل محاولاتى التانية».

على مدار عام كامل، ظلت زيارات «مريم» للطبيب أمرًا سريًا، إلى أن قررت مواجهة أسرتها فى النهاية، إلا أن أحدًا لم يستوعب الأمر على نحو ترتضيه: «ماما بتقول أنا معنديش اكتئاب، والناس عمومًا بتنكر المرض النفسى، وأنا ندمت إنى قولتلهم».

لاحقًا تطور رد فعل أسرة «مريم» غير المتوافق مع زيارتها للطبيب النفسى ليتضمن تعنيفا صريحا لها، أو تندرا من حالتها الصحية، ونعتها بالجنون أو إلقاء اللوم على العلاج الدوائى ومحاولة إثنائها عن تناوله، لكنها أصرت على الاستمرار، كما أعلنت أمر خضوعها للعلاج النفسى أمام الجميع دون خجل وواجهت ردود فعل سيئة أيضًا من الزملاء والأصدقاء: «أحيانًا الناس بتحاول تخرجك من المود دا على أساس أنك صعبانة عليهم، وفى ناس مش بتصدق أنك عيانة أصلًا وفى ناس بتستنكر الموضوع، ماحدش بيتعامل مع الموضوع من غير أحكام، كلها ردود فعل سيئة»، لذا، وفقًا لتجربتها، لا تنصح «مريم» زوار العيادات النفسية والمصابين باضطرابات مختلفة إعلان الأمر للجميع، فقط اختيار حفنة من الأصدقاء المقربين.

رغم ما تعرضت له من متاعب، لا تزال الشابة ترى أهمية كُبرى فى اتخاذ خطوة العلاج النفسى، باعتباره رحلة لابد للجميع خوضها فى سبيل اكتشاف ذواتهم بالرغم من أن مجريات التعافى ذاتها ليست يسيرة دائمًا.

يُعزى إخصائى الطب النفسى، سامح حجاج الوصم الاجتماعى المرتبط بالإصابة بالاضطرابات النفسية والعلاج النفسى إلى خوف إنسانى أصيل من الجنون أو فقدان السيطرة على العقل والسلوكيات، ولا يرتبط بمجتمعات مُحددة، إنما يشترك فيه الجميع بنسب متباينة، فيقول: «الفرق فى مجتمعنا المحلى هو التراجع الفكرى، المجتمعات التانية بتتعامل مع نفس الخوف لكن بنضج أكبر، إحنا بنتعامل معاه بطفولية وبنستخدم فى دا دفاعات نفسية بدائية»، ومن بين الدفاعات النفسية الرائجة فى المجتمع المصرى حسب «حجاج» الزعم بأن منشأ الأعراض النفسية هو السحر وأعمال الجان، وليس اعتلال حقيقى يتطلب العلاج والرعاية، أو ربط الأعراض ذاتها بأداء الشخص الروحى ومعتقداته الدينية، فى حين يُرجع الاضطراب النفسى ببساطة إلى اضطراب بيولوجى مؤثر على الوظيفة الاجتماعية والمهنية للأفراد ويتحسن بالخضوع للعلاجات الملائمة.

شيوع الخرافات أو المواقف العدائية من الاضطرابات النفسية من وجهة نظر حجاج إنما يؤدى لنتيجة واحدة، وهى تراجع حالة المُصاب، وينصح إخصائى الطب النفسى ذوى الأفراد المصابين باضطرابات نفسية بتفهمهم، ومحاولة العمل على التقبل والاحتواء والمساعدة على الالتزام بالبرنامج العلاجى.

أما عن المخاوف المتعلقة بحماية الخصوصية، وإخفاء البعض هوياتهم الحقيقية عن الطبيب، فهو أمر لا ينصح به «حجاج» حيث يعتبر الوضوح مع الطبيب وتقديم الحقائق يساعده على تقييم الحالة بدقة ومساعدة الأفراد عبر فهم صحيح للظروف المحيطة، كما يرى أن إعلان البعض بشكل عام عن إصابتهم باضطرابات نفسية وزيارتهم للطبيب النفسى إنما يساهم فى مواجهة الوصم الاجتماعى، كما يسهم فى رفع معنويات المرضى الآخرين وزيادة ثقتهم بأنفسهم ويساعد الآخرين على تفهم الأمراض النفسية والتصالح معها فيقول: «الوصم مش هيتحسن إلا بناس بتحكى عن معاناتها وبتفهم الآخرين حقايق المرض، وبيفهوا أن المريض النفسى مش هو المجنون بتاع أفلام إسماعيل ياسين إنما واحد عادى زينا».

انت الان تتصفح خبر بعنوان شابات يواجهن آلام النفس والوصم ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق