اللغز..

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى أحد أيام عام ١٩٣٩.. جاء العالِم الشاب يُهرَع إلى الجنرال الواقف فى باحة «بليتشلى بارك»، حيث مقر قيادة الحرب الإلكترونية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية لِيُحَدِّثه قائلاً:

«سيدى.. لا أستطيع العمل هكذا.. أريد مساحة لِحُرية التفكير والحركة.. وأُريد ميزانية منطقية للبحث ولتصنيع جهاز قادر على تحقيق المهمة..».

نَظَرَ الجنرال بِتَنَمُرٍ واحتقارٍ إلى الشاب ولم يَرَ فيه إلا ذلك الرقيع.. لا العالمَ العَبقرى الذى جاءه من «جامعة كيمبريدج» بتكليف من المخابرات البريطانية للعمل على فك الشفرة المستحيلة لأحد أعقد أجهزة الاتصال الألمانية والمعروفة باسم ENIGMA أو اللغز..

تحدث الجنرال إلى العَالِم «آلان تورينج» بتعالٍ واستهزاء قائلاً: «هل كَسِبت حرباً من قبل أيها الفتى..؟!».

لِيَرُد تورينج: «لا يا سيدى.. ليس بعد.!».

فيُردِف الجنرال بِصَلَفٍ: «الانتصار فى حرب لا يأتى إلا بالانضباط والتراتبية وإطاعة الأوامر.. هناك الآلاف يُقَدِّمون أرواحهم فى ميدان القتال وأنت تريد مساحة للتفكير والعمل بحرية..!!».

لم يُخفِ الجنرال كُرهَهُ الشديد للعالِم الشاب وحَنَقَهُ على ما يفترضه فيه من ميوعة علماء وتحلل مثقفين يهيمون فى دنيا الأفكار.. لا يَملِكون خشونة قرارات الموت والحياة فى وقت الحرب.. ولا يدفعون ضريبة دم مثله.. أو هكذا تَصَوَّر.. ولم يألُ جُهداً لإيقاف المشروع بدعوى تبديده للمال والوقت..!

لم يَحمِ هذا المشروع الفَذ إلا تَدخُّلات مباشرة من «ونستون تشرشل» رجل الدولة والسياسة المُحنَّك.. والذى يعرف أن العلم والسَبقَ فيه هما سلاحُه الأول والأبقى فى معارك المصير..!

لم يبخل «تشرشل» بِثِقَلِه لكى يُنقذ براعم العِلم البَضَّة من قبضة من يريدون اقتلاعها بدعوى رخاوتها وطول أمد الخير المرجو منها..!!

لم تَمضِ أيام كثيرة حتى استطاع العالم الشاب أن يُتِمَّ اختراعه.. والذى استطاع بعبقرية أن يَفُك الشفرة المستحيلة ليكون سلاحاً جوهرياً فى انتصار الحلفاء فى الحرب على جيوش هتلر.. بل وحِفظ أكثر من ١٤ مليون روح من الهلاك، كما أتت إحصائيات ما بعد الحرب.

فَكَّت ماكينة «تورينج» لغز الشفرة الألمانية.. ولكن الأهم أنها رَسَّخت حقائق أخرى عن دور «العلم والعقل والقوة» فى بناء مستقبل الشعوب وقبلها فى حمايتها من هلاك محقق..!

حقائقُ ساطعة وَعَتهَا الشعوبُ الحَية.. وإن لم يزل البعض يُريدونها لُغزاً..

من كانوا قادة النصر الحقيقيين ومن أين أتوا..؟!

هل كانت ساحات «كيمبريدج» وفصول الرياضيات والفيزياء فيها هى مَن خَرَّجَت من قادوا بريطانيا والحلفاء إلى النصر..؟!

أم كانت ساحات «ساند هيرست» وكُليَّات الحرب العليا..؟!

أم كانت أروقة البرلمان البريطانى العريق..؟! وما تحمله من «جوهر وحقيقة وفضيلة شراكة المجتمعات فى حكم مستقبلها».. ومن «ساسةٍ» يعرفون أنهم مسؤولون أمام مواطنٍ «أُجَرَاء لَديه».. أكثر منهم مسؤولون عنه «أوصياء عليه..؟!».

وأى مَنطقٍ كان هو مَبعَث النصر؟!.

أى مَنطقٍ كان له السبق فى الأخذ بيد بريطانيا والحلفاء من هزيمة محققة..؟!.

هل كان ذاك المنطق الذى ينتصر للانضباط والتراتبية وإطاعة الأوامر..؟!

أم تلك الوريقات من المعادلات الرياضية وما أفضت إليه من سلاح عِلمى رادع.. والتى كانت تتم بقدر كبير من بوهيمية العلماء وانفتاح الإبداع وحرية الفكر والحركة..؟!.

أم منطق السياسة الواعية بدور الحُكم فى ضبط العلاقة بين «قوة الفكرة» و«قوة العقل» و«قوة العلم» و«قوة السلاح» بميزان من «الحرية» و«القانون..؟!».

لا أظُنها معضلةً أو لغزاً.. إلا لمن يريدونها هكذا.. ما انتصر وما ينتصر فى كل صراع تَرَقٍ بل وكل صراع بَقاء.. هو «عقلٌ حُرٌ يُبدِعُ ويقود».. و«عِلِمٌ يُحَرِر ويبنى».. و«قوة» هى نتاج عقل وعلم–وفى إطارهم–تردع وتحمى..!

فـ«لا مَنَعَة دون قوةٍ.. ولا قُوة دون عِلمٍ.. ولا عِلم دون إبداع.. ولا إبداعَ دون حرية»..

فَكِّرُوا تَصِحُّوا..

انت الان تتصفح خبر بعنوان اللغز.. ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق