توماس جورجيسيان يكتب: خلاصة البحر.. و«موبى ديك»

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أحيانا يأخذنا الحديث إلى البحر الهائج، وأحيانا يصل بنا الصمت إلى الشاطئ المأمول. الروائى السورى حنا مينه صاحب «الشراع والعاصفة» و«حكاية بحار» يروى عن لقائه مع بحار يدعى «النح» فى حانة قريبة من شاطئ البحر وفى يوم عاصف ذاكرا «.. وقد وعدنى بأن يحدثنى عن البحر، لكنه كان يسرف فى الشرب حتى يعجز عن الكلام، وبين تهويمة وأخرى، يفتح عينيه ويسألنى: تريد معرفة البحر أم خلاصة البحر؟ وأجيبه: البحر أم خلاصته، المهم أن تتكلم.. ولكنه لا يفعل.

ويستكمل مينه: «.. وإن كان، بعد تسويف طويل، أخذنى معه إلى الصيد، وقرفص على الرمل، زهاء أربع ساعات، وبيده خيط الصنارة، فلما نفد صبرى، بعد الساعة الأولى، زجرنى قائلا: قرفص، افعل كما أفعل.. هذه خلاصة البحر.. وزجرنى، مرة أخرى، فى ليلة عاصفة، ونحن فى زورق قاطر فى الميناء، يدور بنا بين السفن وأنا أرتعش من البرد والخوف، وهو يؤنبنى قائلا: ألا تريد «خلاصة البحر»؟ هذه هى.. اسمع.. تمسك بالحبال جيدا.. وإلا قذفك النوء إلى الجحيم.. قالها وأطلق شتيمة ضد الموج، وقهقه من أعماقه، كأنه ألف قديم للعواصف إلى درجة الوثوق بأن كل شىء على ما يرام.

ويختتم مينه حكيه عن النح والبحر قائلا: «سقت هذه الحكاية، بكل تفصيلاتها الجانبية، كى أقول «النح» علمنى، على نحو راسخ، أن خلاصة البحر هى معاناته، وأن الشعور المتولد عن هذه المعاناة، هو الذى سيتيح لى أن أكتب عن البحر ناقلا شعورى، عبر الرواية، إلى الآخرين، القراء.

وسواء كنا نتحدث عن خلاصة البحر أو معاناته فإن الشاعر الفيلسوف جبران خليل جبران قال: «على هذه الشواطئ أتمشى أبدا بين الرمل والزبد. سيمحو المد آثار قدمى وتذهب الريح بالزبد. أما البحر والشاطئ فباقيان إلى الأبد». جبران كتب فى «رمل وزبد» (١٩٢٦): «فى يقظتهم يقولون: أنت والعالم الذى تعيش فيه حبة رمل على شاطئ غير متناه لبحر لا حد له. وفى حلمى أقول لهم: أنا البحر الذى لا حد له، والعالم كله حبات رمل على شاطئى». و«رمل وزبد» من الكتب التى كتبها جبران بالإنجليزية وعددها ثمانية أشهرها بالطبع «النبى» ولجبران ثمانية كتب بالعربية أول كتاب منها كان «الموسيقى» أما آخر كتاب «البدائع والطرائف».

ولا شك أن رائعة الأمريكى هيرمان ملفيل «موبى ديك» تعد بحرا بل محيطا من البشر ورغباتهم وصراعاتهم فى رحلة حياتهم ومغامرة مطاردتهم للحيتان و«للحوت الأبيض» وأيضا معايشتهم للكابتن آهاب والراوى إسماعيل (إشمائيل) فى حياتهم. الرواية أكمل كتابتها ونشرها ملفيل فى خريف ١٨٥١ وكان فى الثانية والثلاثين من عمره. ولم يجد الاهتمام المنتظر أو الإقبال المطلوب إلا بعد نحو سبعين عاما من صدورها. عندما مات ملفيل عام ١٨٩١ فى الثانية والسبعين من عمره لم يزد عدد النسخ المباعة من كتابه «موبى ديك» على ٣.٧١٥ نسخة. وبدءا من الثلاثينيات من القرن الماضى صارت «موبى ديك» (فى أكثر من٧٠٠ صفحة) التحفة الأدبية الأمريكية والمرجعية والإلهام والنموذج وأيضا العبقرية التى يحاول أن يتصدى لها ويتحداها كتاب عظام مثل أرنست هيمنجواى صاحب «العجوز والبحر» وغيره كما أن «موبى ديك» الرواية ألهمت إنتاج أكثر من ستة أفلام عالمية أشهرها فيلم أخرجه المخرج الأمريكى جون هيوستن عام ١٩٥٦ وقد مثل فيه جريجورى بيك دور الكابتن آهاب. ولعل من أطرف ما يذكر عن تأثير «موبى ديك» القائم والمستمر حتى الآن أن مقاهى «استارباكس» الشهيرة استمدت اسمها من «ستارباك» أحد مساعدى الكابتن آهاب. وكان الاقتراح الأول أن يتم تسميتها «بيكود» اسم السفينة فى الرواية الا أن المستثمرين فى المشروع فضلوا عدم الأخذ باسم السفينة فجاء اختيار «ستارباك». وقد تناولت دراسات مطولة ظاهرة «موبى ديك» فى الحياة الأمريكية لكى تقر وتعترف بعظمة هذا العمل الضخم وتأثيره الممتد عبر الأجيال. وأتذكر دائما الروائى جمال الغيطانى وهو يقول إن موبى ديك بالنسبة له ذروة الروايات ويعتز بتكرار قراءته لها فى ترجمتها العربية لإحسان عباس.

■ وطالما نتأمل البحر الممتد أمامنا ورغبتنا فى الإبحار والغوص فيه فلا يمكن ألا نلتفت من جديد ودائما لما قاله مولانا جلال الدين الرومى «أنت لست قطرة فى محيط بل أنت المحيط بأكمله فى قطرة».

انت الان تتصفح خبر بعنوان توماس جورجيسيان يكتب: خلاصة البحر.. و«موبى ديك» ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق