ذكرى أديب الفلاسفة!

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

تحل فى الثامن من سبتمبر الجارى الذكرى الخامسة والعشرون لوفاة د. زكى نجيب محمود، المفكر والفيلسوف المصرى الكبير، الذى ينطبق عليه وصف أنه «فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة».

وللدكتور زكى نجيب محمود إنتاج فكرى رائع تمثل فى العديد من الكتب فى موضوعات الفلسفة والمنطق وكتب عن الحياة الفكرية والثقافية منها «تجديد فى الفكر العربى» و«ثقافتنا فى مواجهة العصر» و«مجتمع جديد أو الكارثة» الذى عرضنا له فى مقال سابق. وأصدر دكتور زكى مجموعة كتب أدبية منها «جنة العبيط» و«شروق من الغرب» وحصاد السنين الذى نعرض لمقدمته الرائعة فى مقال اليوم.

يبدأ كتاب حصاد السنين بمقدمة تقرر أن الكاتب قد بلغ الخامسة والثَّمانين من عمره، وقد أحس بالضعف واقتراب مسيرته الفكرية والثقافية من نهايتها، فقرر كتابة كتاب ليقدم لقارئه حصيلة ما استطاع أن يشهده من منتجات الحياة الثقافية فى مصر والعالم العربى، من وجهة نظره كدارس ومعلم وناشر لصنوف من الفكر والثقافة، وقد مثل نفسه بالبجعة وهى تلفظ أواخر أنفاسها، تخرج نغمة أجمل ما تكون النغمات وقعًا فى آذان البشر.

وهو يعد القارئ بعرض صورة للحياة الثَّقافيَّة كما عاشها أخذًا وعطاءً، وفى ذلك العرض يتناول ما طرأ على تلك الحياة الثقافية من تَّغير نتيجة متغيرات الحضارات المتعاقبة، وما حدث فيها من تطور ينقل صور الحياة إلى مستويات أعلى، وهو يرى وجوب الاهتمام ﺑالمصير الذى تستند قوائمه إلى تراثنا الذى تركه لنا السلف مع التنبيه أن يكون بين أيدينا نقطة ابتداء نجاوزها إلى مستلزمات حاضر حى ومستقبل مأمول.

ويأتى الكاتب بأهم أفكاره ويرتبها فى قيمة التقدم التى تصاحبها كتابات طويلة عريضة عميقة عن القيم الكبرى التى بغيرها لا تتقدم حياة الإنسان خطوة واحدة، كالحريَّة والعدالة والمسؤولية، والدكتور زكى نجيب محمود يعيب على المفكرين والكتاب العرب أنهم- وقد بشروا بتلك القيم الكبرى- لم يستطيعوا هم أنفسهم أن يقيموا حياتهم الاجتماعيَّة على أسسها، فكأنما أرادوا الحريَّة لأنفسهم دون سائر من يتعاملون معهم من عباد الله، يضيف مفكرنا الكبير قوله إن صاحب الدعوة إلى التَّقدم إذا لم يُخضِع حياته الشَّخصيَّة لما يدعو إليه جاءت دعوته ضعيفة الأثر فى حياة الآخرين.

ويحكى الكاتب أنه سافر فى الأربعينيات للحصول على درجة الدكتوراه فى الفلسفة، والحرب العالمية الثانية مُلتهبة السَّعير، فرأى هناك المسافة البعيدة بين كرامة الإنسان كيف تُصان هناك مهما يكن شأنه من فقر أو غنى، ومن علم أو جهل، ومن ارتفاع فى المنزلة أو انخفاض، وبين كرامة الإنسان فى بلادنا كيف يُمكن أن تُهان، ثم حكى عن إنشاء الجامعة العربية، وصدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947 ومن بعده قيام حرب فلسطين فى 1948 وانتصار الدولة الصهيونية!

ومن أهم ما رصده مفكرنا الراحل التغير فى النظر إلى الكون؛ إذ انتقل المفكرون فلاسفة وعلماء وأدباء على حدٍّ سواء- انتقل هؤلاء جميعًا بتصورهم للكون فى حقيقة أمره، من أن يكون كتلة فيها قصور ذاتى لا يتيح لأى تغير أن يطرأ على أى شىء إلا إذا أحدثه له عامل خارجى عنه، إلى أن يتصوروه كونًا كالكائن الحى، يأتيه التَّغير من ذاته هو، فهكذا خلقه خالقه ليكون التَّغير المتصل سُنَّته.

وعلل الكاتب ما حدث فى القرن العشرين من حروب وثورات إلى التباين الشديد بين رؤية الفكر النظرى من جهة، وحقيقة الحياة فى واقعها المرئى والمسموع، وكان من نتائج الحرب العالمية الثانية تغيرات أساسية فى حياة الدول والشعوب، إذ استقلت شعوب كانت مستعمرة، وحصل العمال على حقوقهم الضائعة، واستردت المرأة والشباب حقوقهم، وصدر ميثاق حقوق الإنسان.

ويأتى مفكرنا الكبير إلى دعوته الرئيسة أن السبب الرئيسى فى تقدم الغرب هو على وجه التحديد أخذه بالعلوم الطبيعيَّة ومناهجها؛ وهما اللذان اسْتُحْدِثا مع النهضة الأوروبيَّة، وما تحقق من تطور بالغ الأجهزة فى عملية البحث العلمى، ثم الأجهزة التى تنتجها البحوث والتى تزداد مع الأيام دقة، ومن ثم تزداد دقة قياس الظواهر الطبيعيَّة الموضوعة تحت البحث، وفى ذات الوقت لم يقتحم العربى هذا الميدان، فلم ينعم بثمراته، وترك لأهل الغرب الجمل بما حمل، وإذن فالمطلوب منا هو أن يواجه علماؤنا ظواهر الكون المراد بحثها واستخراج قوانينها فيشاركون فى إبداع العلم مع مبدعيه.

رحم الله المفكر والفيلسوف الراحل، ووفقنا إلى العمل بدعوته فى الاهتمام بالعلوم الطبيعية ومنهج البحث العلمى كى نلحق بالعالم المتقدم قبل فوات الأوان.

انت الان تتصفح خبر بعنوان ذكرى أديب الفلاسفة! ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق