سيرة وطن بين هزيمة وانتصار

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أصارح القراء الأعزاء أننى لا أستهدف جيل الشيوخ المخضرمين من أمثالى، بل أستهدف جيل الوسط وجيل الشباب فى مصر والوطن العربى بكتاباتى حول ذلك العزم المذهل الذى ينهض فى نفوس المصريين المسالمين إذا دعا الداعى لتتفجر شحناته وشظاياه المهلكة فى وجه الغزاة. إنه العزم الذى عايشته واستشعرته وعاينته ولامسته لست سنوات مليئة بالتحديات بين يونيو وأكتوبر فأبصرته رأى العين كائنا معنويا عملاقا ينبثق داخل نفسك، فيحملك إلى ارتفاع شاهق لتحلق كالنسور، وقد نحت جسده من جرانيت مسلات الانتصار المصرية فى العهد الفرعونى وتحلت قبضة يده بأساور من صلب السيوف المصرية التى قهرت جحافل الغزاة الصليبيين والمغول فى العصر الوسيط. لقد رأيت هذا العزم عند المصريين فى تلك السنوات، وقد غطى رأسه بعمة شيوخ الأزهر الذين قادوا ثورات الشعب ضد جيش الغازى بونابرت الفرنسى ومن بعده ضد الوالى العثمانى رمز الاحتلال والطغيان والفساد فى مطلع تاريخ مصر الحديث فى نهاية القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر.

لم يكتف هذا العزم العملاق بمحاصرة القلعة التى يحتمى بها الوالى العثمانى، ولم يكتف أيضا بخلعه وتنصيب محمد على مكانه، بل طارد الغزاة العثمانيين حتى حدودهم، وكاد يعصف بمركز الدولة العثمانية نفسها فى تركيا لولا تدخل الأوروبيين.

هذا العزم نفسه هو الذى ولد تجربة المصريين العبقرية فى التماسك وفى قوة الأعصاب وفى عدم انكسار المعنويات أو الاتشاح بروح الانهزام أمام الغزو الإسرائيلى لسيناء، وهو الذى قام بتحفيزنا على احتواء هزيمة عسكرية فادحة، وقعت لنا فى يونيو، وتجاوزها بجهود خارقة حتى وصلنا إلى ضفة الانتصار فى سرعة قياسية فى أكتوبر بعد السنوات الست.

هذه هى التجربة التى عشتها كمواطن أمتلك روح المبادرة والالتزام القومى والاندفاع إلى التطوع والاندماج فى المجهود الوطنى، وهى الروح التى ميزت كثيرا من المصريين فى تلك السنوات.

لقد تلقيت مطالبات من شبان متميزين ومبدعين فى أعقاب نشر مقالى السابق بعنوان (موجز سيرة وطن) بألا أكتفى فى رواية التجربة بالعناوين العريضة أو بالموجز وأن أقدم تفاصيل التفاصيل؛ وبالتالى فإننى أستجيب لهذه المطالبات راضيا، لأن بين هؤلاء الشبان أدباء مثل الشاعر والكاتب المسرحى وليد علاء الدين، وباحثين مثل عمرو البلاسى الباحث الاقتصادى بقناة سكاى نيوز، وحسين عبدالبديع المدرس المساعد المتخصص فى الدراسات العبرية بجامعة القاهرة، ومن المؤكد أن شبابنا هؤلاء سينتفعون بكل تفصيلة فى نسج الحاضر والمستقبل.

ذكرت فى مقال الموجز أن صديقى الرائد محفوظ عبدالعال، قائد قسم الاستماع العسكرى بالمخابرات الحربية استقبلنى بمقر عمله فى العاشرة من صباح الخامس من يونيو بعد أن اتصلت به من جامعة عين شمس طالبا التطوع بالجيش، وأنه قدمنى إلى العميد مصطفى كمال، قائد شعبة المعلومات الذى قبل تطوعى، وأرسلنى إلى قسم استجواب الأسرى تحت قيادة العميد جميل عبدالفتاح. بقيت فى هذا القسم أشارك فى عملية استجواب الطيارين الإسرائيليين الذين وقعوا فى الأسر، بعد أن أسقطت مدفعيتنا طائراتهم وتوصيل بعضهم إلى مبنى السجن الحربى فى صحبة ضابط مصرى.

فى ساعة متأخرة من ليل الثامن من يونيو أخبرنى العميد جميل أن مهمتى قد انتهت، وشكرنى قائلًا: من باب التقدير تحب نوصلك فين يا دكتور، ولم أكن قد حصلت بعد على الدكتوراه، فأجبته إلى جامعة عين شمس إذا سمحت.

وكان بعض ضباط الحرس الجامعى يجلسون أمام مبنى كلية الآداب القريب من البوابة حول جهاز راديو، وعندما لاحظوا خروجى من سيارة الجيش تجمعوا حولى يسألوننى عن التطورات الميدانية، وفوجئوا عندما قلت لهم إننى لا أعرف شيئا عن التطورات، فقد كنت حبيسا مع الأسرى بعيدا عن مصادر الأخبار وكانت آخر الأخبار التى أعرفها هى نجاح مدفعيتنا المضادة للطائرات فى إسقاط هؤلاء الأسرى.

فهمت من ضباط الحرس الشبان أنهم سمعوا بيانا عسكريا يفيد بأن جيشنا قد تراجع إلى خط الدفاع الثانى وفى لحظة خاطفة ارتسمت علامة استفهام مزعجة فى ذهنى عندما ربطت بين مشهد قبة سماء القاهرة المليئة بطلقات المدفعية المضادة للطائرات فى صباح الخامس من يونيو وبين خبر الانسحاب لخط الدفاع الثانى، فلم أكن أتوقع أصلا أن تصل طائرات العدو الإسرائيلى إلى سماء العاصمة. كان السؤال الذى يدور فى ذهنى، واكتشفت أنه يدور فى عقول الكثيرين، يقول كيف سمحنا للعدو بأن يفاجئنا بالضربة الأولى فى معركة بادرنا نحن إليها بحشد قواتنا.

.. وللحديث بقية

انت الان تتصفح خبر بعنوان سيرة وطن بين هزيمة وانتصار ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق