صفحات لم تنشر من سيرة المفكر والسياسى والأكاديمى والاستشارى الدكتور ميلاد حنا: قال السادات «أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة» فجن جنونى خوفاً على مصر(الحلقة الأولى)

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

عرفنا الدكتور ميلاد حنا أستاذا للهندسة ومفكرا وعالما مهموما بإسكان الطبقات الشعبية واستشاريا بارزا ومعارضا واعيا خاصة منذ نكسة يونيو وحتى رحيله 2012 ومدافعا عن حقوق الإنسان وكاتبا وحاصلا على جوائز دولية ووطنية بلا حصر، ومؤلفا لكتب ذاع صيتها ولا يزال مثل «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية»، و«نعم أقباط.. ولكن مصريون»، لكن فى هذه الصفحات التى بدأ كتابتها وهو فى عمر الـ 77 عاما (أى فى 2001) سنعرف خلفيات مثيرة عن نشأته بشبرا، وسنعيش معه معاركه التى بدأت قبل عمله بالسياسة رسميا، وسيدهشنا بأن يكشف أنه كان عضوا له كلمة فى التنظيم الطليعى، وقريبا جدا من شعراوى جمعة- وزير الداخلية حتى أوائل شهور حكم السادات - بل إنه حذر شعراوى فى 12 مايو 1971 من أن السادات «نابه زارق» وسيباغت الجميع، وقد كان وبعدها بيومين، وكسب السادات الصراع مع من سماهم مراكز القوى. فى هذه الحلقات الـ٤ نعيش مع سيرة الدكتور ميلاد كما خطها بقلمه وقد تكرم ابنه المهندس هانى بأن خص «المصرى اليوم» بتلك الحلقات قبل نشر المذكرات وتجميع صفحاتها الباقيات.

الدكتور ميلاد حنا

.. مشوار طويل ومتعرج!، والإنسان المشغول بالعمل العام والطموح والتأثير والبحث عن الجديد والمستقبلى، يظل كالشعلة فلا يتوقف كثيرا حتى ليتأمل ما فات. وبسبب المعارك والشواغل تأخرت كثيرا ليس فقط فى كتابة «السيرة الذاتية».. بل فى التنبه إلى أن من المهم والمفيد عمل ذلك.. شغلتنى الهموم وأخذتنى الحياة بعنفوانها غير أن أمرا عارضا دفعنى إلى البدء بكتابة تلك السيرة، حيث طلبت منى الحركة الثقافية «انطلياس» اللبنانية أن أكتب سيرة ذاتية موجزة ليتم تقديمها خلال حفل تكريم دعيت إليه فى بيروت (فى عام 2001 ). بدت لى كلمة عن مسيرة حياة وكأنى أسمعها لاول مرة، وقلت يبدو أن الوقت قد حان للبدء فى المهمة التى تأجلت كثيرا. لم أتعب طويلا فى البحث عن إطار عام لسيرتى، فقد استعدت ما جرى فى إحدى المرات التى قام فيها التليفزيون المصرى بتسجيل شريط عن حياتى باللغة الإنجليزية، حيث سألنى مقدم البرامج:

هل يمكن أن تلخص لنا تاريخ حياتك فى محطاته الرئيسية، ووجدت نفسى أتكلم بتلقائية شديدة قائلا:

ولدت مصريا قبطيا، ليس من حقى إلا أن أتزوج امرأة واحدة، ولأننى أحد من ساهموا فى تأسيس وتنشيط حركة حقوق الإنسان فى كل من العالم العربى ومصر، رغبت فى أن أستمتع بما يستمتع به زميلى المواطن المصرى المسلم، لذلك قررت عبر تاريخى الطويل - أن أتزوج «أربعة» وهو ما تم بالفعل، وصارت هذه الزيجات الأربع معبرة عن الأنشطة الرئيسية لى ومؤثرة فى مسيرة الحياة.

■ الزوجـة الأولـى

هى أم أولادى والتى شاركتنى مشوار حياتى بأكمله، أنجبنا نحو 30 ألف طفل صاروا رجالا أشداء معروفين ساهموا فى حركة عمران وبناء مصر، فاستفسر مقدم البرامج عن اسمها ووظيفتها، فقلت مادحا إنها «كلية الهندسة» حيث وظيفتى الجامعية فيها، من الوظيفة الأولى فى أول السلم عندما كنت معيدا فى كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية عقب التخرج عام 1945، ومازلت مرتبطا بالجامعة حتى الآن، وإن كنت قد تركت واجب إلقاء الدروس والمحاضرات، ولما سألنى عن أولادى ولماذا هم بهذا العدد الضخم، قلت: عبر ما يزيد على نصف قرن من الزواج الممتد، قمت بتدريس عدد يتراوح من 400 إلى 1000 طالب كل عام فى المتوسط فربما يصل جملة من تشرفت بتدريسهم هذه الألوف الكثيرة، وكم أسعد فى معظم اللقاءات الثقافية والتى أُدعى إليها كثيرا الآن عندما يأتى إلىّ أحد هؤلاء الطلاب ويقدم نفسه إلىّ قائلا لقد تغيرت سحنتى كثيرا واشتعل الشعر شيبا، ولكننى كنت أحد طلابك عام كذا والفرقة كذا، لعلك نسيت، أنا اسمى كذا وقد استفسرت منك فى أحد الأيام عن موضوع فنى هندسى أو سياسى وطنى وأنت أجبت كذا وكيت... ولا أذكر أيضا!.

■ زوجـتى الثانــية

هى امرأة ثرية كفلت لى «الأمان الاقتصادى» ولولاها ما كنت قادرا على أن أناضل وأواصل الكفاح، ففى بلادنا العربية ـ كما فى معظم دول العالم النامى- يحتاج النضال والكفاح الوطنى إلى أمان اقتصادى فبدونه يكون المرء هشا ضعيفا يمكن اصطياده وجره إلى مسار لا يريده من خلال الضغط الاقتصادى، لأن خيوط الموارد المالية غالبا ما تكون فى يد الحكومات وعلى الرغم من أننى لم أخطط لهذا الأمر، إلا أن مسيرة الحياة ذاتها قد أوجدت هذه الزوجة الثرية فى مسيرة حياتى خلال ممارستى لمهنة الهندسة؛ فقد أنشأت مكتبى الاستشارى عام 1955، وأخذ ينمو عبر السنوات وممارسة القيام بالتصميمات الهندسية لعشرات الأبنية والمشروعات على أنواعها، مما كفل لى مع الوقت مدخرات أعطتنى قدرا من الثراء وفر لى حياة معيشية كريمة فتولد لدى مزيد من الشجاعة، ولكن ما إن تزوجت الثالثة والرابعة، حتى وجدت نفسى فى غير شوق لهذه الزيجة الثانية - إذ لم يكن طموحى ماديا لذلك افترقنا.

■ زوجتى الثالثة

فيما يخص زواجى بالثالثة، فقد كنت منتميا إلى «الحركة الوطنية»، والحياة العامة منذ أواخر الثلاثينات، واستمرت علاقتى «غير الشرعية» أى غير المقننة رسميا مع هذه الزوجة الثالثة وهى السياسة، منذ سن المراهقة إلى أن دخلت عالم السياسة رسميا عندما بلغت 52عاما، ففى عام 1976، دعانى صديقى الأستاذ خالد محيى الدين لأن أكون معه عضوا مؤسسا لحزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى فتزوجت هذه الزيجة الثالثة بشكل رسمى إذ انتخبت من الهيئة التأسيسية لأكون عضوا فى المكتب السياسى ومسؤول العلاقات الخارجية للحزب، فاكتسبت خبرة إلقاء الخطب السياسية فإذا بى اكتشف موهبة جديدة هى الخطاب المباشر مع الجماهير، وتحولت هذه الموهبة من واجب سياسى عند الضرورة إلى حالة من الإدمان، لأن لا شىء يسكر القائد السياسى أكثر من خمرة تصفيق الجماهير فلها عند أى رجل سياسى فعل السحر ونشوة الخمر ومتعة النغم، واستمرت مسيرتى السياسية الرسمية إلى أن جاء عام 1980 وتحديدا يوم 14 مايو عندما خطب السادات فى تاريخ ذكرى ما كان يطلق عليه هو ثورة التصحيح ( مايو 1971 ) فقال ضمن ما قال عبارات خطيرة غير مسبوقة فى تاريخ مصر لأنها تشرخ وحدتها الوطنية إذ ذكر أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة. فجن جنونى لأن هذا الأمر قد يعمق الشرخ ويقود إلى صدام طائفى.

كانت الحرب الأهلية فى لبنان مستعرة بالفعل، يعنى عبرة الخراب والنار والدم بسبب الشحن الطائفى الذى هب فجأة على منطقتنا، كانت أمامنا، وصرت أجوب مصر فى اجتماعات صغيرة وكبيرة ولا أمل من تكرار عبارة «سيدى الرئيس أنت لست رئيس مسلم لدولة إسلامية، بل رئيس مصرى لشعب مصر كله»، وكم كانت سعادتى غامرة عندما كنت أجد استجابة من الجماهير القليلة أو الكثيرة، فأشعر أن الشارع المصرى بخير.

وبسرعة خاطفة قمت بجمع مقالات ودراسات كنت قد جهزتها مسبقا، ونشرتها فى كتاب صغير، تحت عنوان معبر «نعم أقباط... ولكن مصريون» وتصادف أن الفقرة الأخيرة من الكتاب كان نصها: «وفى الختام يعرف العام والخاص أننا نعيش بمنطقة ملتهبة من العالم مليئة بالصراع والخلاف وتباين وجهات النظر... فلتختلف النظريات السياسية كيفما شاءت، وليكن للصراع العربى الإسرائيلى موضع حلول متضادة وليتغير المجتمع وفق هواه يمينا أو يسارا، ولكن فى كل هذه الأحوال أخرجوا لعبة الصراع الطائفى من الحلبة، فهى لعبة خطرة سيكتوى بنارها من يلعب بها أو فيها قبل أن يكتوى الآخرون»، انتهى النص.

وقد استرجع بعض أصدقائى مرات هذه المقولة، وتصور بعضهم أننى قد تنبأت باغتيال السادات مبكرا، وهو قد دفع حياته فى النهاية ثمنا لتهوره بإطلاق نيران الطائفية، وقد أثار نشر الكتاب- فضلا عن التحرك بين الجماهير فى اجتماعات عامة- حفيظة رجال أمن الدولة، وأغلب الظن أثار السادات شخصيا، وهكذا كان حتما أن أكون ضمن من شملهم قرار الاعتقال فى سبتمبر 1981، وخلال فترة الاعتقال غالبا ما يخلو المرء إلى نفسه، وخلال لحظة صفاء أدركت حقيقة كانت غائبة عنى وسط الزحام وتدفق الأحداث التى مرت بمصر فى تلك الحقبة وهى أن العمل السياسى ينطوى على كثير جدا من «التوهم».

ذلك أن صلب الفعل السياسى هو انتخابات نيابية حرة تنتهى بالمجتمع ووفق قواعد الديمقراطية إلى اختيار حكومة حسبما يجرى فى كل دول العالم المتقدم، فيتم تداول السلطة سلميا، لكن ذلك غير متاح فى مصر، وأن القرار والنفوذ يكمنان فى قوة الدولة وأجهزتها وليس فى الحياة الحزبية، لذلك انتهيت - وأنا بعد ما أزال فى المعتقل- إلى وجوب ترك السياسة هذه الزوجة الثالثة عندما تحين الفرصة وأن أتزوج للمرة الرابعة.

■ الزوجة الرابعة

كنت قد عينت عضوا فى مجلس الشعب عام 1984، واقتربت أكثر من السلطة والعمل السياسى، وإذ بى أشعر بانى أتآكل من الداخل، وينتابنى قلق مزعج نتيجة تغييرات تحدث فى وجدانى. لم أعد مرتاح الضمير أو أنام هادئ البال، وأبعد من ذلك خشيت أن أتحول إلى منافق لأحصل على حقيبة وزارية، او ما يشبه ذلك، واستمر اضطراب هذا التحول نحو سنتين فآثرت الاستقالة من رئاسة لجنة الإسكان فى مايو 1986، ثم جاء حل مجلس الشعب كله فى مارس 1987، وبعدها آثرت أن أترك كل الأحزاب السياسية لأعيش حياتى فاعلا كشخصية عامة وهكذا طلقت الزوجة الثالثة وتزوجت الرابعة والأخيرة وهى الثقافة.. وتلك احداث أخرى ومنحى مختلف.

■ سـنوات التكويــن

نص خطاب الاستقالة من لجنة الإسكان بالبرلمان

ولدت فى حى شبرا فى شمال القاهرة يوم 24 يونيو عام 1924 من أسرة متدينة تنتمى للطبقة الوسطى. كان والدى ميخائيل حنا موظفا بمصلحة السكك الحديدية، وتنتمى جذوره إلى مدينة سنورس بمحافظة الفيوم حيث كان أبوه المعلم حنا «شيخ صياغ» (من الصاغة) هذه المدينة، ولكنه توفى فى سن مبكرة، ولم يكن أمام والدى من سبيل إلا الرحيل للقاهرة طلبا لوظيفة ليعاون بجزء من دخله أسرته باعتباره الابن الأكبر ليكفل استمرار التعليم لإخوته البنات والصبيان معا، ومن هنا فقد أحسست من سنوات التكوين بأهمية التكافل والتعاضد الاجتماعى داخل الأسرة، أما والدتى وكان اسمها «حكيمة» - وأحسب أنه كان اسما على مسمى- فقد كانت مركز جاذبية الأهل والجيران للانتفاع برؤيتها فى مشاكل الحياة فكانت فعلا «حكيمة وجميلة الصورة بيضاء البشرة وربما أكون قد أخذت من والدتى حب الاختلاط بالناس وإدراك قيمة ومسؤولية «الزعامة والقيادة»، وكان والدها رجلا ثريا، يعرف بلقبه الخواجا جرجس مترى، وكان وقتها لقب «خواجا» يطلق على أثرياء الأقباط، وقد اختفى هذا اللقب تدريجيا عندما ارتبط لقب «خواجا» بالأجانب المستعمرين.

وأحسب أن للقب جذورا تاريخية توحى بأن للفرد مكانا ومكانة متقدما بين عشيرته، أو هكذا فهمت فى وقت الصبا، وأتذكر أيام طفولتى الأولى، فأجد أن من ملامحها التى أثرت على شخصيتى حالة الشبع العاطفى من الحب والحنان، فقد كنت الحفيد الأكبر لدى كل من أسرة أبى وأمى فكانت جدتى سالومة وعمتى أنيسة وسمسومة يغمرننى بالحب، وعلى الجانب الآخر كان جدى الخواجة جرجس يحلف باسمى عند عمليات الفصال فى البيع والشراء فى تجارته وعندما كان يقول وحياة ابنى ميلاد، كان زبائنه يدركون أنه لا مساومة بعد ذلك.

وكان يخصنى بكلمات طيبة تفيد أنه يتوسم فىّ التفوق، وربما كان هو ووالدتى حكيمة اللذين دفعانى فى سن مبكرة للتفوق والطموح، فضلا عن حنان ودعوات جدتى لأمى «آجية» وهى كلمة قبطية تعنى قديسة، وكذلك أتذكر الآن كلمات التشجيع لخالتى جليلة وهى تكبر والدتى بسنوات قليلة، وكانت جميلة الصورة أيضا، بيضاء البشرة ولها أعين جميلة مميزة بلونها الأزرق وبالأدق وكما يقول المصريون عيون خضراء وكانت تطعمنى من ثديها عندما أبكى نتيجة الجوع فى غياب أمى، وعندما كبرت كانت شقيقتى الوحيدة نرجس تلبى كل طلباتى، بسعادة شديدة واستمرت على ذلك دوما، إلى الحد الذى جعل زوجتى تمزح معى وتقول: إن والدتك وأختك وخالتك قد أفسدوك بالدلع وأنا أدفع الثمن.

كانت فروع العائلة تعيش وتقطن فى شقق متقاربة فى منطقة حى شبرا حيث كانت شوارعه الرئيسية تحمل أسماء لها جذور شامية، وكانت المنطقة معروفة حتى اليوم بعبارة «شياخة قصور الشوام» فهناك شارع مسرة وبه كنيسة السيدة العذراء وهو مواز مباشرة لشارع «خلاط» حيث كان مولدى فى العمارة رقم 13، والتى كان يملكها الخواجا جرجس مترى، وكانت تطل من الجهة الخلفية البحرية على حوش كنيسة مسرة، ولذلك ما إن بلغ عمرى عشر سنوات حتى أخذنى جدى من يدى وسلمنى إلى المعلم عريان، وكان ضريرا ويعمل «عريف الكنيسة» أى هو الذى يحفظ القداس عن ظهر قلب ويقود جوقة الشمامسة ويلقن الكاهن صلوات القداس إذا نسى أو تعثر، وقام المعلم عريان بتحفيظى ألحان الكنيسة بكل من اللغة العربية والقبطية، وكنت أتفهم الكلمات وأستوعب المعانى باللغة العربية، ولكنى لم أفهم لماذا نحفظ ألحان الكنيسة بلغة قد صارت تاريخا فهى غير مستخدمة فى الحياة اليومية، ولكننى فهمت فيما بعد أن ذلك كان أسلوبا ثقافيا تراثيا كسبيل وضمان لاستمرار المحافظة على لغة قديمة لها ارتباط وثيق وامتداد للغة المصرية القديمة، بعد تأثرها بحقبة فاصلة هى العصر اليونانى - الرومانى، ومن ذلك فهمت - فيما بعد - أن الكنيسة القبطية المصرية - ومن خلال هذه الآلية - قد ساهمت عبر تاريخها فى المحافظة ولو جزئيا على اللغة المصرية الفرعونية القديمة، وقد ظهرت قيمة وأهمية ذلك بنحو خاص عندما تمكن مؤسس عالم المصريات «Egyptology» فرنسوا شامبليون من فك طلاسم ورموز الحروف الهيروغليفية القديمة وذلك عام 1821، كما هو معروف.

■ البداية مع حركة شبابية دينيـة

الوالدان على رصيف القطار تمهيداً للحج إلى القدس 1942

وعندما انتقلت من مدرسة شبرا الابتدائية عام 1935 للمرحلة الثانوية فى المدرسة التوفيقية الثانوية الشهيرة بشبرا فى ذلك الوقت، كانت مراحل التعليم هى الروضة ثلاث سنوات والابتدائى أربع سنوات ثم الثانوى خمس سنوات، اختلطت مع زملائى فى المرحلة الثانوية أكثر، وكان أن شجعنى بعض زملائى وأصدقائى فى ذات الصف أن أشاركهم فيما كان يسمى وقتها حركة «مدارس الأحد» فبدأت مرحلة أخرى من التدين الفكرى بعد أن عشت مرحلة التدين التلقينى مع المعلم عريان - كما سبق القول- فعكفت على دراسة الإنجيل وتاريخ الأقباط وتقاليد الكنيسة الأرثوذكسية بالذات، واكتشفت أننى قد صرت عضوا فى جماعة من الشباب تبغى ترقية أحوال الأقباط فى مصر، وكان من بين أقرانى فى تلك الحقبة كثير من الشخصيات التى قادت الكنيسة القبطية فيما بعد، وفى مقدمتهم قداسة البابا شنودة الثالث بابا وبطريرك الأقباط منذ عام 1971، وكان اسمه قبل الرسامه نظير جيد، وكان يدرس فى كلية الآداب قسم تاريخ وكانت رؤيته أن أحوال الأقباط لن تتقدم ما لم تصلح أحوال وثقافة رجال الدين، لذلك علينا كشباب أن نلتحق بأحد الأديرة كرهبان، ومع الزمن سيصير واحد منا بطريركاً أو أسقفاً وعندئذ سنبدأ كـ «أكليروس وشعب» عمليات الإصلاح، وأراه قد حقق رؤيتة كما حقق ذاته.

وكان لى زميل آخر معى فى المدرسة التوفيقية هو سعد عزيز وصار فيما بعد هو الأنبا صموئيل أسقف الخدمات، وقد اغتيل بالمنصة يوم 6 أكتوبر عام 1981، مع مقتل الرئيس السادات فى حادثة المنصة الشهيرة وفى نفس اللحظة، وكانت رؤيته أن أحوال الأقباط ينبغى أن تتحسن ثقافيا واجتماعيا كمرحلة أولى وهامة، وعلينا أن نمحو أمية فقراء الأقباط ونشجع التوجه إلى التعليم الفنى أو الحرفى للبسطاء منهم، وأن ندفع بالنابهين لمزيد من العلم، أى ندفعهم إلى التعليم العالى، مع تقديم الخدمات للجميع، ومع الزمن حقق الأنبا صموئيل ايضا رؤيته وحلمه وأنشأ أول أسقفية تقدم الخدمات الاجتماعية لـ «الشعب» القبطى.

أما رؤيتى فكانت مختلفة، إذ كنت أدعو للتقدم فى الدراسة والتفوق فى التعليم، وبعدها المشاركة فى الحياة العامة، وبالفعل كنت أول من حصل على البكالوريوس من كلية الهندسة عام 1945، وأول من التحق بوظيفة معيد بكلية الهندسة، وأول من سافر عام 1947 فى بعثة تعليمية إلى إنجلترا بعد الحرب العالمية الثانية، وأول من حصل على الدكتوراه عام 1950 من مجموعة (مدارس الأحد)، وربما كنت مشاركاً لزميلى نظير جيد فى انبهارنا بشخصية الزعيم الوطنى الوفدى القبطى مكرم عبيد، الذى كان فى ذات الوقت هو نائب شبرا فى مجلس النواب وكانت بلاغته وبراعته فى اختيار العبارات أحد ملامح تلك الحقبة من تاريخ الحركة الوطنية المصرية.

■ فواصل وعلامات

الدكتور ميلاد حنا فى الصبا

خلال عام 1992 صدر قرار من د.عاطف صـدقى وقت أن كان رئيس مجلس الوزراء يفيد تعيينى عضوا فى المجلس الأعلى للثقافة، وكان قد رحل وقتها كل من د.لويس عوض ود.مجدى وهبة، وكانا من أعمدة الثقافة كما كانا أعضاء فى المجلس الأعلى للثقافة. كانت تربطنى بالدكتور صدقى صلة عمل ومودة منذ أن كان أمين عام منظمة الوحدة الاقتصادية العربية فى السبعينات، وقد استعان بى وقتها كخبير فى قضايا الإسكان، ثم تزاملنا فى المجالس النيابية فى حقبة الثمانينات، فكان هو عضوا فى مجلس الشورى وكنت عضوا فى مجلس الشعب، وهو كثيرا ما كان يذكر طواعية فى مجالس عديدة كيف أننى كنت أول من تنبأ بأنه سيكون رئيس وزراء مصر.

لكل ذلك سعدت جدا بقراره بعضوية المجلس الأعلى للثقافة، وشعرت أن هذا الأمر يلائمنى أكثر من عضوية مجلس الوزراء أو عضوية مجلس الشعب، وقد شهد الأعلى للثقافة نشاطا معقولا فى عهدى فى مجال الثقافة العلمية حيث عملت مع أقطاب مثل الدكاترة: نبيل على وأحمد مستجير وسمير حنا صادق وأحمد شوقى ومصطفى فهمى إبراهيم وغيرهم، أما الموقع الفاعل الآخر فى دنيا الثقافة فكان فى أواخر عام 1992، عندما عينت كاتبا متفرغا بجريدة الأهرام فسعدت بهذا الموقع. قبلها بأشهر عينت رئيسا لمجلس إدارة إحدى شركات قطاع الاعمال هى الشمس للإسكان والتعمير، بقرار آخر للدكتور عاطف صدقى، ولا أذيع سرا إذا قلت إنه كان فى إحدى المرات قد قال لى إنه كان يتمنى أن أعمل معه وزيرا للإسكان ولكن ظروفه وظروفى وتركيبته وتركيبتى، لم تحقق هذه الرغبة.

انت الان تتصفح خبر بعنوان صفحات لم تنشر من سيرة المفكر والسياسى والأكاديمى والاستشارى الدكتور ميلاد حنا: قال السادات «أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة» فجن جنونى خوفاً على مصر(الحلقة الأولى) ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق