عاطف الغمرى يكتب: عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ستبقى الضربة العسكرية الأمريكية على بلدة دوما السورية ساترا يخفى وراءه ما لم تفصح عنه أمريكا، بما قصدته من هذا العمل العسكرى.

وأمامنا مؤشرات تدل على أن الضربة العسكرية على سوريا، فى هذا التوقيت وبالطريقة التى تمت بها، باستباقها الإجراء الطبيعى للتحقق عن طريق المنظمة الدولية لمنع استخدام الأسلحة الكيمياوية، فمن هو الذى استخدمها، هى مؤشرات تبدو بمثابة إعلان عن تغيير جوهرى فى سياسة أمريكا الخارجية، بعسكرة السياسة الخارجية، والذى دفعت إليه التغييرات المثيرة فى المناصب الرئيسية فى إدارة ترامب، واختياره عناصر عقائدية، بعيدا عن النخبة السياسية التقليدية، التى كانت فى عهود جميع الرؤساء السابقين هى المرجعية الأولى فى قرارات السياسة الخارجية، وتحديد أسلوب التعامل مع المشاكل والأزمات الدولية.

ويعود مبدأ عسكرة السياسة الخارجية إلى فترة حكم بوش الابن، وشركائه من جماعة المحافظين الجدد، وكان خبراء السياسة الأمريكيون هم من أطلقوا هذا الوصف، لما يعنيه من انقلاب على قواعد عمل السياسة الخارجية، التى تعتبر الدبلوماسية أولى وسائلها فى التعامل مع أى نزاع أو مشكلة دولية، ثم بعد ذلك يمكن اللجوء للقوة. لكن إدارة ترامب قلبت هذه القواعد، ودفعت بالعمل العسكرى لتكون له الأسبقية على الدبلوماسية.

وحتى لا نلقى بالشبهة على هذا الجانب أو ذاك فليست تلك مهمتنا. لكن هناك ما يثير ضبابا على رؤية المشهد. فمازال فى سوريا حاليا ما بين ستة آلاف وأحد عشر ألفا من إرهابيى داعش، وفى حوزتهم كل نوعيات السلاح حتى المحرم دوليا، وقد أتاحت قوى أجنبية لبعضهم خروجا آمنا من مدينة الرقة إثر هزيمتهم هناك على يد الأكراد. وبالرغم من السعى لإحياء مبدأ عسكرة السياسة الخارجية، وهو ما طبق فى نطاق محدود فى سوريا، فقد كانت هناك تحولات دولية وإقليمية تحد من اندفاع صانع القرار الأمريكى، نحو وضع المبدأ موضع التنفيذ بمواصفاته السابقة.

إن الضربة العسكرية- ولو أن التفكير فيها جرى على خلفية إحياء مبدأ عسكرة السياسة الخارجية- إلا أنها تمت كنوع من اختبار القوة، واستمرارا لنزوع ترامب لإظهار نفسه بأنه الرئيس القوى الذى لا يردعه شىء عن استخدام القوة.. وتلك صفة تحدث عنها مؤرخون أمريكيون بالقول إن ترامب تحكمه غرائزه، أكثر مما تحكمه الموضوعية فى اتخاذ القرار.

من ثم فإن هناك نية للمحافظة على تواجد عسكرى أمريكى فى سوريا، إلى أجل غير منظور، لأن مستشارى ترامب يعتقدون أن التطورات المتوقعة بشأن المستقبل السورى، واحتمالات فرض حل يتضمن تقسيم الدولة السورية، إنما يتيح لترامب قدرة على إعادة التغيير الكامل لخريطة الشرق الأوسط. وأن يصبح ما يجرى فى سوريا نموذجا يحتذى، فى غيرها من دول المنطقة.

لكن المشهد الراهن يوحى بأن ترامب يفتقد بالفعل استراتيجية متكاملة الأركان، وبالتالى فإن النتائج التى يتوقعها لقراراته ليست يقينية، وقد تأتى على عكس ما يتوقعه تماما.

وإذا حصرنا نظرتنا فى حدود الوضع الحالى فى سوريا، دون توسيع النظرة إلى باقى دول المنطقة، سنجد أن أمريكا لا تنفرد بحركة ميزان القوى، ولا بزمام صناعة الأحداث.. هناك أيضا روسيا كطرف يحسب حسابه. وأطراف أخرى خارجية، وكلها طامعة فى قضم أجزاء من الجسد السورى، والتى وصفها صناع القرار فى أمريكا بأنها الآن دولة محتلة من قوى خارجية.

فهل يمكن على ضوء ذلك كله أن نقول إننا مقبلون على تسوية سياسية يرتضيها الشعب السورى، أم نحن على أعتاب تناطح قوى من بينها دول وجماعات متطرفة وإرهابية، فى صراع يشبهه البعض- مع الفارق- بالصراع فى حلبات التقاتل أيام الإمبراطورية الرومانية.

انت الان تتصفح خبر بعنوان عاطف الغمرى يكتب: عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق