أخبار العالم / مصر / المصرى اليوم

الأحلام الضائعة

ترى هل يستطيع كل شخص فى مجتمعنا إذا أزيلت العوائق المادية أن يختار لنفسه المهنة التى يرغب فى الاشتغال بها والحرفة التى يشعر بالسعادة وهو يؤديها؟. هل الإنسان فى بلادنا حر فى أن يكون كما يريد ويعيش الحياة بالطريقة التى يحبها ما دام لا يؤذى الآخرين؟. أعتقد أن الرد بالإيجاب لن يكون هو الإجابة الصحيحة، ذلك أن جبالاً شاهقة من العادات والتقاليد والمواريث التاريخية تقف بين الإنسان وبين أن يسلك الدرب الذى تطمئن إليه نفسه.. وإذا كان هذا الإنسان يجد صعوبة فى أن يعتنق من الأفكار ما يرتاح إليه، فهل يسمح له المجتمع بأن يختار المهنة أو الوظيفة التى يحبها؟ إن معوقات مجتمعية كثيرة تقف دون تحقيق الناس لأحلامها، فمثلاً: أين هو الأب الذى يوافق ابنه على أن يكتفى من الدراسة بقدر معين ليعمل بورشة نجارة مثلاً؟ إذا كان الأب غنياً ميسور الحال فسوف ينظر لولده على أنه مجنون يريد أن يهبط اجتماعياً بمستوى الأسرة، وإذا كان من أسرة فقيرة فسيعتبره أبوه مجنوناً أيضاً لأنه يرفض الصعود الاجتماعى وشد الأسرة معه لأعلى بأن يصبح مهندساً أو طبيباً أو وكيل نيابة.

ولو جرؤت فتاة على الإعراب عن حبها لمهنة التمريض ورغبتها فى أن تصير ممرضة مثلاً وكانت حاصلة على مجموع كبير بالثانوية العامة فستقف الدنيا كلها فى وجهها ولن تسمح لها الأسرة بأن تفعل ما يعتبرونه خللاً فى التفكير!. وهنا يتعين النظر إلى أن قيم الطبقة الوسطى تلعب دوراً فى الاستعلاء على الحرف والمهن اليدوية وهى تصنف الأشغال التى يمتهنها الناس إلى راقٍ ووضيع. وليست هينة أبداً قدرة المجتمع على وأد أحلام الشباب فى اختيار المهنة من خلال التلويح بأن الميكانيكى مثلاً لن يستطيع الزواج من ابنة إحدى الأسر الكبيرة. وفى واقع الأمر فإن الأهل وهم يفعلون هذا إنما يستندون إلى واقع مجتمعى أفرزته الدولة الظالمة والحكم الديكتاتورى الذى يكرس الطبقية ويقصر الحقوق على أبناء الطبقة العليا دون غيرهم. وفى هذا الشأن يمكن أن نلحظ أن رجل الشرطة فى البلاد التعيسة يمكنه أن يعصف بالصنايعية وأصحاب الحرف ويمارس بحقهم الانتهاكات بأكثر من قدرته على إتيان الأمر نفسه مع أصحاب المراكز العليا والمهن اللامعة.. وهذا أمرٌ يجعل الشخص الذى يود العمل بمقهى أو محل بقالة من بين المتعلمين يتردد ألف مرة فى اتخاذ القرار خوفاً على كرامته من البعثرة على يد رجل أمن جانح!.

والواقع أن الناس فى البلدان الديمقراطية، التى تحترم البشر وترعى حقوق الإنسان بصرف النظر عن جنسه ودينه ومهنته، هم أكثر حرية فى الاختيار، ويمكن للواحد منهم أن يكون ما يشاء دون أن يفقد حقه فى الاحترام والكسب والحب والزواج، ولا أنسى أحد أصدقائى الكنديين وكان جاراً لى بمونتريال.. هذا الرجل عرفته كموزع بريد على دراجة، وقد أذهلنى عندما حكى لى عَرَضاً أنه كان طياراً بشركة إيركندا، لكنه تركها بسبب حبه للانطلاق بالدراجة وتوزيع البريد!.

الديمقراطية حلوة والسماحة حلوة والحياة حلوة.. لكن هناك من يصرون على حرماننا من هذا كله!.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

انت الان تتصفح خبر بعنوان الأحلام الضائعة ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

قد تقرأ أيضا