أخبار العالم / مصر / المصرى اليوم

الاستمارات المليونية.. صوبات سياسية أم رشاوى انتخابية!

ذهبت إلى إحدى الوزارات الخدمية لأنجز مصلحة شخصية.. وجدت طابوراً طويلاً أمام المكتب المفترض أن أنهى فيه مهمتى.. سألت هل لكل هؤلاء شكاوى مثلى من سوء الخدمة.. قال من أمامى: يا أستاذ نحن موظفون وعمال هنا وننتظر دورنا فى التوقيع على استمارة «عشان تبينها» للضغط على الرئيس السيسى ليترشح لفترة ثانية..

قلت له هل الرئيس بكل إنجازاته يحتاج ضغطاً منكم أو من أى أحد.. هناك مؤيدون ومعارضون له وهذا طبيعى فى أى رئيس بالعالم.. وفوجئت بالرجل يقول «إننا نقطع الطريق على أعداء الوطن».. برقت فى رأسى الجملة.. أين سمعتها؟ نعم من الراحل أحمد زكى العظيم فى فيلم البرىء اخراج عاطف الطيب بعد أن غسلوا مخ المجند المستجد أحمد سبع الليل وأفهموه أن كل من فى المعتقل أعداء الوطن..

سكت.. الحوار لن يجدى.. إذن من له رأى فى السياسات الاقتصادية عدو للوطن.. الذى يريد ترتيب أولويات الإنفاق خائن.. من يعتقد أن مصر أثقلتها الديون ولابد أن تهتم بالإنتاج والتصدير والتوظيف يستحق المحاكمة.. هل هذا ما وصلنا إليه.. أصبحنا كورس يعزف نغمة واحدة طبقاً لإشارات عصا المايسترو.. أصابنى اكتئاب لأن حملات «عشان تبنيها» و«دعم مصر» تعنى أن الدولة- وليس الرئيس- يؤمنون بتفكير أحادى.. فهذا يعنى أن الرئيس وحده الذى يبنى وبالتالى لسنا دولة مؤسسات ولا نملك حكومة مبادرات..

بمعنى آخر هى استمرار لسياسة التفويض التى خاض بها سيادته الانتخابات فى 2014 بدون برنامج.. لكنه أعلن بكل صراحة أنه لن يكرر التجربة إلا إذا عرض برنامجه على المصريين.. كتبت قبل ذلك أن شعبية الرئيس حتى لو قلت نتيجة لإجراءات الإصلاح الاقتصادى إلا أنه مازال المرشح الوحيد.. إما لعجز الحياة السياسية عن إفراز منافسين أو لتولى الصحافة والإعلام وتشويه وتجريح المنافسين ولكم فى الفريق شفيق أسوة حسنة..

مرة أخرى أؤكد أن أصحاب الحملات طرحوا أسئلة ليس لها إجابات.. لماذا يتصورون أن الرئيس يحتاج دعما شعبيا لفترته الثانيه رغم ما أنجزه؟

المشروعات التى توقفت كيف ستعود للحياة مع أن الظروف لم تتغير.. الإرهاب موجود.. الوضع الاقتصادى سيئ بالنسبة للمواطنين وممتاز للحكومة..

كنت أتصور أن الاستمارة ستنص على بناء دولة وليس مشروعات تتطاول فى البنيان وتوفر وظائف موسمية تنتهى بانتهائها.. ما الذى سيبنيه الرئيس؟ أتصور أن تحسين معيشة المواطن يكون أول اهتماماته.. تقليل القروض وتثبيت الأسعار والتوقف عن فرض ضرائب كل صباح.. 70% من موازنة الحكومة تأتى من المواطن حسب الأرقام الرسمية.. لا اعتراض على الاستمارة وكان يمكن أن أوقعها بسهولة لو كانت هناك حملات أخرى تدعو لمرشحين آخرين ولو مغمورين دون أن يلاحقوا أو يطاردوا أو يتم اعتقالهم.. نعم أقبل التوقيع على الاستمارة لأنها ستكون فرصة هائلة للديمقراطية.. حملة تأييد وأخرى تقدم مرشحاً آخر.. لكن الجميع يخشون القبضة الحديدية..

أصحاب هذه الحملات لا يحظون بتأييد الشعب.. فالتوقيعات تتم فى غرف مغلقة وليس كاستمارات تمرد مثلاً التى كنا نوقعها على قارعة الطريق.. الاستمارات بهذه الطريقة هى «صوبة» سياسية للمؤيدين حتى لا يحتكوا بجراثيم المعارضة وفيروسات الرأى الآخر.. إن هذه الحملات لا تحظى بأى قدر من المصداقية.. فلن تشحذ همم المصريين للمشاركة فى ظل غياب الاشتراطات الموضوعية.. نحن مقدمون على «انتخابات» وليس «مبايعة» بالروح والدم.. فرصة الرئيس للفوز 100%.. فما الداعى لهذه الحملات إلا أن يكون من أطلقوها لهم مصلحة خاصة ومباشرة كأن يحجزوا لأنفسهم مكاناً فى الفترة الرئاسية القادمة.. ويبدو أنهم لا يعلمون أن السلطة- أى سلطة- تستخدم من تريد وقتما ترغب ثم تلقى بهم بعيداً إذا ما بدر منهم نية للشراكة أو بدر عنهم نقد أو مساءلة حتى لو كان للصالح العام..

غير أن ما أغضبنى من حملات «عشان تبنيها» و«دعم مصر» هو ما صرح به القائمون عليها.. فقد حصلت الحملتان على حوالى 13 مليون توقيع خلال 3 أشهر.. بنفس المعدل ستصل إلى 39 مليون توقيع فى يونيو 2018.. وهو رقم «استباقى» يفوق عدد الذين يذهبون إلى صناديق الاقتراع.. ولك أن تسأل كيف تتم التوقيعات.. للأسف الشديد ما أعلنه أحمد الخطيب عضو اللجنة التأسيسية للحملة يؤكد أنها تمت «بالرشاوى».. فقد تم إطلاق 200 قافلة طبية وتموينية إلى القرى الأكثر فقراً واحتياجاً.. الفقراء يحصلون على احتياجاتهم إذا ما وقعوا الاستمارات.. هذه حقوقهم التى تساومونهم عليها.. الحملة تضم نواباً فى مجلس الشعب الذين تفرغوا فجأة لتلبية احتياجات الفقراء والمعوزين بشرط التوقيع على الاستمارات..

غابوا عن دوائرهم طويلا وظهروا بالاستمارات.. من يوقع سيكون معنا.. ومن يرفض ليس منا.. لن يحصل على خدمات.. هؤلاء القائمون على أمر الحملات لا يدركون أنهم يكررون تجربة «الكرتونة الرمضانية» التى ابتدعها الإخوان فى عصرهم الغابر..

أخطر ما فى الأمر أن تلك الاستمارات تؤكد أن الدولة للمؤيدين فقط.. للطائعين والشاكرين والمصفقين والمادحين.. أقسم بالله أنكم تسيئون للرئيس الذى يؤكد فى كل خطاب على «يا مصريين.. يا مصريين» لا يقصر خطابه على مؤيديه كما يفعل ائتلاف دعم مصر البرلمانى الذى لم يقدم قانوناً واحداً لخدمة المواطن إلا قانون التأمين الصحى الشامل الذى كان لابد أن تتضمنه الاستمارة مع القوانين الأخرى التى سيحولها الرئيس للبرلمان وتصب كلها فى مصلحة المواطن.. كان يمكن أن تكون هذه الاستمارات مفتاحاً لحل مشكلات مصر وبرنامجاً شعبياً يطرحه الرئيس فى الفترة القادمة.. لكنها تحولت للأسف إلى «المن والأذى».. وهذا ليس أسلوب الرئيس ولا طريقته..

لا أتصور أن أصحاب هذه الحملات لهم أى شرعية أو حيثية.. فلم يكلفهم الشعب أو يفوضهم لتشكيلها أو المبادرة بلف المحافظات والقرى والنجوع لحث الناس على المشاركة.. الأدهى أن الرقم الذى أعلنته الحملات وهو 12 مليون توقيع معناه أنها جمعته فى 90 يوماً أى حوالى 133 ألفاً يومياً وهو رقم مهول..

لقد أصدرت رئاسة الجمهورية قبل ذلك نفيا قاطعاً حاسماً وحازماً بأنه ليس لها أى علاقة من قريب أو بعيد بتلك الحملات.. أخشى أن يكون الهدف من تلك الأرقام هو هاجس أو تخوف من نسب إقبال المصريين على الانتخابات.. من ثم فإن جهة ما تفرغت لقياس رد الفعل الشعبى تجاه الرئيس فظهرت كنوع من الأداء السياسى المعلب فى صوبات.. لقد كنت أتمنى أن يبادر محمد السويدى رئيس ائتلاف دعم مصر فى استغلال أغلبيته البرلمانية لينهى الدورة التشريعية مستنهضاً وزراء النوم فى العسل.. ومؤكدا أن الفترة الباقية على انتهائها ستكون مخصصة لتخفيف الأعباء على المواطنين..

أعتقد أن هذه المهام أهم من افتتاح المقر الرئيسى للائتلاف بالقاهرة الجديدة التى ستدار منه حملات التأييد.. لله الأمر..

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

انت الان تتصفح خبر بعنوان الاستمارات المليونية.. صوبات سياسية أم رشاوى انتخابية! ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

قد تقرأ أيضا