أخبار العالم / مصر / المصرى اليوم

الإعلام بين الدعم والاستحواذ

من الخطأ أن يتصور البعض أن إعلام جمال عبدالناصر يمكن أن يعود مرة أخرى، من الخطأ أن يتصور أحد أن تجربة الصحفى الأوحد يمكن أن تتكرر مرةً ثانية، من الخطأ أن يتصور البعض أن الدولة، أى دولة، يمكن أن تمسك بتلابيب الإعلام، فيما ينشر وما لا ينشر، ذلك أن الإعلام لم يعد محلياً فقط، مهما كان حجم التضييق بحظر مواقع أو حجب صفحات أو تشفير قنوات، إلى غير ذلك من وسائل أمنية، بالتالى لم يعد تعبير «إعلام الدولة» مستساغاً فى ظل ذلك التطور الذى يشهده العالم على المستوى التكنولوجى والفضائى بشكل خاص، ويكفى أن نعلم أن نسبة مشاهدة القنوات التليفزيونية التى تبث من خارج مصر أصبحت أعلى عن مثيلاتها من الداخل، وإلا لما كان هذا الموقف المناوئ لمؤسسات استطلاع الرأى التى أثبتت ذلك وأعلنته.

قبل عام ٢٠١١ كان السجال يدور حول خصخصة وسائل الإعلام الرسمية أو الحكومية، من صحف وإذاعات وتليفزيونات، بعد أن أصبحت عبئاً ينهش فى ميزانية الدولة سنوياً على حساب المواطن الفقير أو على حساب دعم رغيف الخبز، فى ذلك الوقت كانت الدولة ترى أنه لم تعد هناك حاجة للامتلاك أو للاستحواذ على وسائل الإعلام، مع تراجع سطوة الصحف والتليفزيونات الرسمية فى مواجهة الخاصة التى تفاعلت مع رغبات الشارع أكثر من اعتمادها على التصريحات الرسمية التى دأب عليها إعلام الدولة ولم يستطع تطوير نفسه، إلى أن كان ما كان من أحداث يناير ٢٠١١، فتوقف كل شىء.

بعد مرور سبع سنوات وبعد أن حدث ما حدث، كنا ننتظر خطة واضحة المعالم، إما تنفيذ الاتجاه السابق، وإما تطوير هذه الوسائل، من صحف حكومية وتليفزيونات ماسبيرو بشكل خاص، إلا أن العكس هو الذى حدث، أصبحت النية تتجه إلى المزيد من السقوط بشراء المزيد من الصحف والقنوات تحت إدارة جهات معينة، وعلى الرغم من أن الفشل أصبح واضحاً وواقعاً، إلا أن الأوضاع تتجه نحو المزيد، بغية مزيد من السيطرة والاستحواذ، بما يؤكد عدم وضع التحولات العالمية فى الاعتبار، وبما يستنزف المزيد من خزانة الدولة.

الصحف الرسمية أصبحت تحصل على دعم شهرى وسنوى، التليفزيونات كذلك، وبدلاً من محاولة النهوض بهذه وتلك، تطالعنا الأنباء بإضافة المزيد إليها تحت مسميات مختلفة، شركات وأفراد، وبيع وشراء، فى الوقت الذى أصبح فيه القارئ والمشاهد ينفض عن هذه وتلك، أو ربما يجد فيهما مادة دسمة للسخرية والنقد والأخطاء ليس إلا، فى الوقت الذى لم يعد هناك ما يعرف بالصحيفة الأولى الأكثر انتشاراً، أو القناة التليفزيونية الأكثر مشاهدةً، بينما تتحفنا السماوات المفتوحة بعشرات، بل مئات القنوات التليفزيونية الأكثر فاعلية، كما بدت الصحف الورقية الرسمية من الماضى هى الأخرى، فى ظل أداء عقيم وقيادات فى معظمها أكثر عقماً.

وعلى الرغم من أن الإعلام غير الحكومى ليس خارجاً عن النص إلا ما ندر، ذلك أنه ينطلق من الإحساس بالمسؤولية الوطنية تارة، وتحت الضغط الرسمى تارة أخرى، إلا أنه لا يروق لمسؤولى المرحلة بمستوياتهم المختلفة، فى غياب كيانات حقيقية متخصصة تدافع عن حرية الرأى وعن المكتسبات التى تحققت يوماً ما، بل الأكثر من ذلك أن الكيانات التى تم استحداثها تحت مسميات الهيئات والمجالس وما شابه ذلك، كانت مَلَكية من الملك، ناهيك عن ذلك الأداء الضعيف، إما لضعف مستوى الأفراد، وإما لأن هذا هو حال أهل الثقة على الدوام فى السابق واللاحق.

أعتقد أن الأمر بمختلف جوانبه فى حاجة إلى إعادة نظر، الدولة يجب أن تؤمن أولاً بدور الإعلام طوال الوقت، سواء كانت مرحلة بناء أو مخاض أو تحول، أو أياً كانت التسمية التى يطلقها البعض، أيضاً يجب أن تؤمن بالرأى الآخر كشمعة تنير الطريق نحو الأفضل، الأهم من ذلك هو المصارحة والمكاشفة والشفافية، سواء تعلق الأمر بالسياسات الداخلية أو الخارجية، ذلك أن المفترض متابعة المواطن لأوضاع وطنه من خلال إعلام بلاده بدلاً من البحث فى قنوات وصحف الخارج من جهة، والوقوع فى شَرَك الشائعات من جهة أخرى، حين ذلك لن نكون فى حاجة إلى الامتلاك والتملك والاستحواذ والسيطرة وما شابه ذلك.

الأمر الأكثر أهمية هو أن العودة إلى الوراء لم تكن مفيدة أبداً على أى مستوى، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، وهو الأمر الذى كان يجب وضعه فى الاعتبار حين أراد البعض العودة إلى إعلام الاتحاد الاشتراكى، الذى لم يكن يُكتب له الاستمرار إلا بموازاة القمع والسجون والمعتقلات والمصادرة والإغلاق والفقر، وتتويج كل ذلك فى النهاية بالهزيمة، سياسياً وجغرافياً واجتماعياً، وجميعها فواتير مازلنا نسددها أقساطاً حتى الآن، أَمَا وقد أُضيفت لها أقساط المرحلة من ديون خارجية وفوائدها، فكان يجب البحث عن وسائل إنقاذ، وليس مزيدا من الكبوات أو الفشل، إلا إذا كانت هذه هى الفلسفة الجديدة.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

انت الان تتصفح خبر بعنوان الإعلام بين الدعم والاستحواذ ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا المصرى اليوم

قد تقرأ أيضا