سوق "الكاش" الخفي يبتلع الجنيه السوداني

الجزيرة نت 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

ما يكاد "س" يستقر على كرسي مكتبه المتواضع في السوق العربي وسط الخرطوم، حتى يدخل اثنان من مرافقيه بعلبة معبأة بأوراق النقد السودانية ليبدأ عمله في بيع الجنيه الذي تحول إلى سلعة تباع وتشترى.

ومنذ أن حل العام 2018 تتنامى باطراد سوق سوداء "للكاش" (السيولة النقدية) جراء شح النقود الذي جعل السودانيين لأول مرة يلهثون وراء حيازة مدخراتهم من الجنيه على غرار سوق موازٍ للعملات الصعبة عرفته ردهات السوق العربي منذ عقود.

كان ثمة عميلان في انتظار "س" على أريكة داخل المكتب الذي بالكاد يتسع لخمسة أشخاص، وما إن جلس وطلب قهوته حتى بادراه بطلب بيعه دولارات.

عرض التاجر "س" عليهما البيع عبر "الشيك" بواقع 54 جنيها للدولار وعبر "الكاش" بواقع 52 جنيها، فقبل العميلان العرض الأخير رغم ما ينطوي عليه من خسارة، لكنه على الأقل يجنبهما مماطلة المصارف في السحوبات النقدية.

يقول التاجر للجزيرة نت إن لديه ضعفين من النقود التي بدأ يخرج بعضها من العلبة، هي حصيلة ما يدير به تجارته يوميا.

يتكرر هذا المشهد عبر عشرات المكاتب المماثلة التي غالبا ما تكون مجرد واجهات لأنشطة وهمية في وسط مدن ولاية الخرطوم وربما في عواصم الولايات الأخرى.

ولا يرى رئيس أكاديمية الدراسات المالية والاقتصادية عبد المنعم محمد الطيب في إصدار فئات أكبر من الجنيه (مئة جنيه) حلا، لأن أي فئة أكبر سيكون مصيرها السحب ثم التخزين، وقال للجزيرة نت إنها ستكون بمثابة "ما غلا ثمنه وخف وزنه".

c4f7ccd80d.jpg
محمد الطيب أكد على ضرورة
بث الطمأنينة بين المواطنين
(الجزيرة)
لكن المصرفي السابق "ي" الذي يقع مكتبه على بعد شارعين من مكتب "س"، يدير نشاطا مربحا يسمى "الكسر"، وهو شراء شيكات من العملاء بالجنيه نظير دفع مبالغ أقل من قيمتها.

ويؤرخ الأكاديمي والمستشار المالي طه حسين لبداية تجارة "الكاش" بشهر يناير/كانون الثاني الماضي عندما بدأت هجمة العملاء على البنوك لسحب ودائعهم إثر هلع في مواقع التواصل، "حينها عرفنا لأول مرة ثقافة سعرين للجنيه.. لقد أصبح نادرا أكثر من الدولار".

قبل "ي" الحديث على مضض لكن بإجابات مقتضبة، وبسؤاله عن الكيفية التي يحصل بها على "الكاش"، قال إنه يستغل شبكة علاقات واسعة في البنوك، لكن الأمر ليس قاصرا عليه لكونه مصرفيا سابقا.

ولا يقتصر نشاط "ي" على شراء الشيكات فقط، بل لديه معاونون يسمون "السريحة"، مهمتهم قطع الطريق أمام أي عملاء في البنوك يعتزمون إيداع أموالهم، إذ يساومونهم على شراء "الكاش" مقابل شيك يضمن للعميل هامشا ربحيا.

بيد أن محمد الطيب رئيس الأكاديمية التابعة لوزارة المالية والاقتصاد، التي من أهدافها تدريب وتأهيل الكوادر المالية والاقتصادية على مستوى القيادات العليا والوسيطة، يشدد على ضرورة بث "الطمأنينة" بين المتعاملين.

لكنه يبدو مهموما بالمعالجات أكثر من المسببات وهو يقول للجزيرة نت إن الحكومة بدأت حزمة معالجات عبر مصفوفة تعتمد على توسعة الدفع والتحصيل الإلكتروني.

5b30e15350.jpg
معدل التضخم في السودان تجاوز 66%  (غيتي)

تحويلات المغتربين
ويؤكد محمد الطيب أن ثمة تجهيزات بدأت على الأرض تتعلق بنشر نقاط البيع، على أن يكون هناك تدرج في الدفع الإلكتروني يبدأ بمؤسسات الحكومة ثم يزحف نحو الشركات الخاصة وتجارة التجزئة.

 

ولنجاح خطة الحكومة، يعول رئيس الأكاديمية على رفع درجة الوعي بالتقنية الحديثة والتغطية الشاملة بنقاط البيع والمحفظة الإلكترونية، وخلق توازن في الإيداع والسحب في البنوك بعكس معادلة تفوّق السحب على الإيداع السائدة حاليا.

الفرق بين الشيك والكاش أصبح أيضا حاضرا في تحويلات المغتربين التي يبتلع السوق الموازي جلها رغم حوافز أعلنتها الحكومة أخيرا لجلب تحويلات ومدخرات المغتربين إلى الجهاز المصرفي.

ابتهاج (52 عاما) التي يقيم زوجها في السعودية، تقول للجزيرة نت إن تلقي التحويلات عبر البنك يكون في حدود 15 جنيها للريال السعودي، بينما في السوق الموازي بواقع 14.2 جنيها.

وتشير إلى أنها تلقت تحويلا عبر البنك وطلبت مقابلة مدير الفرع الذي تفتح فيه حسابا حتى تتمكن من سحب الحوالة بالجنيه، لكنه اعتذر لها وطالبها بالتوجه إلى الصرافات الآلية التي غالبا ما تكون خاوية، فضلا عن سقفها المحدد بألفي جنيه فقط في ظل معدل تضخم تجاوز 66%. 

ويتوفر تجار السوق الموازي على معاونين أيضا في خارج السودان، حيث يقول راشد (27 عاما) المقيم في السعودية إن مندوبا في الرياض يرسل له يوميا عبر تطبيق "واتساب" أسعار البيع والشراء في البنك والسوق.

ويقول إن آخر رسالة تلقاها تفيد بأن بيع الريال عبر بنك الخرطوم بواقع 15.50 جنيها للمبالغ الصغيرة و15.65 جنيها للمبالغ الكبيرة، بينما سعر السوق السوداء 13.2 جنيها.

ويبدو أن السعر الأعلى في البنوك لشراء العملات الصعبة غرضه تشجيعي، بينما يعمد تجار العملة إلى الشراء بسعر أقل من واقع استغلال شح النقود في البنوك وماكينات الصرف الآلي.

6cf53dbeb6.jpg
طه حسين: ضرورة تغيير وظيفة البنوك
لكونها صارت مجرد صرافات
(الجزيرة)

مؤشرات مهمة
ويعطي الأكاديمي طه حسين للجزيرة نت مؤشرات لحجم الكتلة النقدية خارج البنوك اعتمادا على تقارير رسمية أفادت بأن حجمها بلغ في الربع الأول من العام الحالي 74 مليار جنيه، ثم ارتفع خلال الفترة من 31 مارس/آذار إلى 30 سبتمبر/أيلول الماضيين إلى 91.6 مليار جنيه، بزيادة تفوق 17 مليارا.

وفي ظل الطلب المتسارع على الجنيه يقول حسين إن الهوة بين سعر "الكاش" و"الشيك" اتسعت في سوق السيارات والعقارات، بينما وصل الفرق في سوق العملة الصعبة إلى عشرة جنيهات بين سعر السوق الموازي (نحو 54 جنيها للدولار "كاش" و58 جنيها "شيك") وسعر صناع السوق "الرسمي" المحدد حاليا بنحو 47.5 جنيها للدولار.

ويرى أن وطأة الوضع الحالي على البسطاء أعمق لجهة أنهم يقفون في طوابير أمام البنوك لنيل مدخراتهم الشحيحة أصلا، بينما يستغل التجار علاقاتهم لسحب ودائعهم الكبيرة بسهولة.

ويفيد حسين بأن ندرة "الكاش" رفعت نقاط البيع بنسبة 80% هذا العام، في ظل وجود نحو 29 مليون شخص يحملون هواتف سيارة وزهاء 11 مليونا يستخدمون الإنترنت في البلاد، فضلا عن قرار السلطات قصر بيع وشراء العقارات والسيارات عبر الشيك المصرفي فقط.

ويقترح سحب الثقة من فئة الخمسين جنيها القديمة، وحصر التداول على الإصدار الجديد منها، مع خلق عدالة في توزيع الفئات لجهة أن 87% من الفئات المتداولة هي فئة الخمسين جنيها.

ويرى الأكاديمي الاقتصادي أهمية تغيير وظيفة البنوك القاصرة حاليا على كونها "مجرد صرافات"، بفك حظر تمويل العقارات والسيارات.

مشهد آخر للمعاناة عايشه القانوني مجدي السليابي عندما كان يهم بدفع 3600 جنيه قيمة تبضعه في مول "بحر" للتسوق بمدينة أم درمان، إذ اقترب منه شاب عشريني وطلب تسليمه ألفي جنيه مقابل تحويلها في حساب السليابي لجهة أنه يدرس بالجامعة وتعذر عليه سحب نقود من الصراف الآلي.

الجزيرة نت كانت شاهدا على المعاملة التي تمت بين الطالب الجامعي والسليابي الذي يقول "وثقت في الشاب من نظراته فقط لأنها عكست مدى المعاناة في الحصول على نقودنا".

انت الان تتصفح خبر بعنوان سوق "الكاش" الخفي يبتلع الجنيه السوداني ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا الجزيرة نت

أخبار ذات صلة

0 تعليق