أزمة الليرة التركية بين الاقتصاد والسياسة

الجزيرة نت 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الدكتور خالد الخاطر*


هناك عدة عوامل خلف السقوط الحر لليرة التركية مؤخرا إذ فقدت ما يقارب 18% من قيمتها مقابل الدولار الأميركي يوم الجمعة الماضي وهو انخفاض بأكثر من 45% منذ بداية هذا العام، وهذا أدنى مستوى لها خلال عقد من الزمن.

 

ويبدو أن أزمة الليرة التركية عرض لأزمة مالية تركية مركبة أسهمت فيها عوامل داخلية وخارجية.

فداخليا هناك انكشاف كبير للاقتصاد التركي على حركة رؤوس الأموال العالمية منذ انفجار الأزمة المالية العالمية عام 2008، وما نتج عنه من توسع كبير في الاقتراض بالعملة الأجنبية مما أدى إلى ارتفاع الدين الخارجي على البلاد، وتبعات ذلك على ارتفاع في معدلات التضخم وضغوط على العملة.

لكن هناك أيضا قوى خارجية تسعى لاستغلال هذه الأوضاع الاقتصادية الداخلية
-وهي ليست بجديدة- لإلحاق الضرر بالاقتصاد التركي، كما اتضح في عدة مناسبات منها ما قام به مؤخرا الرئيس الأميركي دونالد ترامب من فرض عقوبات اقتصادية على تركيا أثناء فترة هبوط الليرة مما أجج انزلاقها.

وقد يكون الهدف من ذلك هو تقويض ثقة المستثمرين في النظام المالي التركي والدفع نحو هروب رؤوس الأموال وانهيار الليرة.

وبالتزامن مع ذلك قيام بعض المؤسسات المالية والصناديق الاستثمارية المتمركزة في لندن بمضاربات على الليرة التركية بحسب بعض المصادر المالية الرسمية التركية، وأيضا في الولايات المتحدة الأميركية -وجزء منها بدافع سياسي متعمد لإيذاء الليرة التركيةـ لكن جزءا منها أيضا بدافع اقتصادي للتحوط.

وقبل ذلك في مايو/أيار الماضي تم الكشف عن ضلوع دولتين عربيتين في المضاربات على الليرة التركية، إحداها الإمارات بحسب اطلاعي على مصادر رسمية تركية.

ولا استبعد ضلوع هذه الدول العربية الآن أيضا في هذه المضاربات، فهناك تشكك لدى من تحدثت إليهم من مسؤولين أتراك معنين في دور الامارات بهذه المضاربات، وقد ذكر وزير المالية التركي أن الليرة تتعرض لهجوم.

العامل المحفز سياسي
على الجانب السياسي أدى تصعيد التوتر من قبل الولايات المتحدة وفرض عقوبات على تركيا إلى خشية المستثمرين من تدهور العلاقات بين البلدين والتصعيد إلى حصار مالي على تركيا، وهذا يخلق أزمة ثقة في الليرة و النظام المالي التركي، ويؤدي إلى عزوف المستثمرين والدفع نحو خروج الاستثمارات وتفاقم الأوضاع الاقتصادية المحلية؛ خصوصا أن الرئيس أردوغان وضع ما يجري في إطار حرب اقتصادية على بلاده لخلق أزمة مالية للإطاحة به من قبل نفس القوى "الغربية" التي لم تستطع الإطاحة به عبر محاولة انقلابية فاشلة عام 2016، وتوعد أردوغان بإفشال هذه الحرب الاقتصادية.

"
في مايو/أيار الماضي تم الكشف عن ضلوع دولتين عربيتين في المضاربات على الليرة التركية، إحداها الإمارات بحسب اطلاعي على مصادر رسمية تركية
"
جذور الأزمة
أما الجذور الاقتصادية لهذه الأزمة فتعود إلى الفترة التي أعقبت انفجار الأزمة المالية العالمية عام 2008، وتبني الاحتياطي الفدرالي الأميركي سياسات نقدية توسعية غير تقليدية، من خلال أسعار فائدة قرب صفرية وبرامج تيسير كمي لضخ كميات هائلة من السيولة لإنقاذ النظام المالي وتحفيز النمو في الولايات المتحدة.

وهذا أدى إلى تدفقات هائلة و غير مسبوقة في رؤوس الأموال نحو الاقتصادات المتحولة للاستفادة من فارق أسعار الفائدة. وكان على رأسها الاقتصاد التركي، وهذا أدى إلى توسع كبير في الاقتراض الرخيص بالعملة الأجنبية وتراكم ديون خارجية على البلاد معظمها قصيرة الأجل في قطاع الأصول.

وتقدر بعض المصادر ما يفوق 250 مليار دولار ديونا على قطاع المؤسسات التركية معظمها مستحق السداد خلال سنة، و66 مليار دولار على مؤسسات قطاع خاص غير مالية، و76 مليار دولار على البنوك التركية مستحقة السداد أو التدوير خلال سنة، كما فاقت المطلوبات بالعملة الأجنبية على الشركات غير المالية الموجودات بمبلغ 200 مليار دولار.

والآن مع خروج الاحتياطي الفدرالي الأميركي من السياسة النقدية غير التقليدية وسحب السيولة من النظام المالي ورفع أسعار الفائدة، فإن ذلك أدى إلى حركة عكسية في وجهة رؤوس الأموال بشكل عام وخروجها من تركيا وغيرها من الاقتصادات المتحولة، وأسهم ذلك في ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي، وهو ما أدى (ويؤدي) بدوره إلى ارتفاع عبء الدين الخارجي لسببين:

ارتفاع خدمة الدين، والتسديد بعملة محلية منخفضة القيمة أمام عملة الاقتراض (الدولار الأميركي)، وهذه ضغوط أصبحت تواجهها العديد من الاقتصادات المتحولة التي أفرطت في الاقتراض بالعملة الأميركية منذ بداية ارتفاع الدولار في أبريل/نيسان الماضي.

ومن المتوقع أن يستمر الاحتياطي الفدرالي في رفع أسعار الفائدة في الفترات القادمة مما يعني استمرار الضغوط على الاقتصادات الناشئة المحملة بالديون الدولارية، وتركيا في مقدمة تلك الدول.

والخلاصة أن ما يجري في تركيا هو أحد ارتدادات الأزمة المالية العالمية، ويخشى امتداد ذلك إلى غيرها من الاقتصادات المتحولة التي أفرطت في الاقتراض الرخيص في أعقاب هذه الأزمة عام 2008، وراكمت كميات كبيرة من الديون الأجنبية قصيرة الأجل.

ويوجد بعض المؤشرات على ذلك بالفعل، فالاحتياطي الفدرالي الأميركي يغرق العالم بالسيولة التي تزعزع الاستقرار الاقتصادي في العديد من مناطق العالم ولكنه لا يتحمل نتيجة ذلك.

وهذه إشكالية تقليدية متكررة في معظم الأزمات المالية العالمية، منها أزمة شرق آسيا المالية عام 1997 وكذلك الأزمة المالية العالمية عام 2008 في الغرب. 

مخاطر انتشار العدوى
ما يثير قلق المستثمرين الآن أمران هما، تصاعد التوتر السياسي مع الولايات المتحدة، وبعض الأوضاع الاقتصادية المحلية؛ منها ارتفاع معدل التضخم الذي وصل إلى 15.8% في يوليو/تموز الماضي وعدم استقلالية السياسة النقدية لمواجهة ذلك، في ظل سياسة توسع اقتصادي قائمة على الاقتراض الخارجي مما يغذي التضخم والضغوط على العملة المحلية، في وقت يعارض الرئيس أردوغان رفع أسعار الفائدة خشية تأثيرات ذلك السلبية على النمو.

وعلى الحكومة التركية التخطيط بحكمة للخروج التدريجي السلس(soft landing) من طفرة ممولة بالاقتراض الخارجي لتجنب انفجار فقاعة بسبب هجرة عكسية قوية في رؤوس الأموال قصيرة الأجل واتخاذ بعض الإجراءات لطمأنة المستثمرين، وسد القنوات على المتربصين للإضرار بالاقتصاد التركي.

واندلاع أزمة مالية شاملة في تركيا قد يطال غيرها ويحمل مخاطر كبيرة لانتشار العدوى إلى أسواق الاقتصادات المتحولة، قد تصل إلى إندونيسيا والأرجنتين اللتين اتخذ البنك المركزي فيهما إجراءات لدعم عملتيهما إثر انخفاضهما تأثرا بما يجري في تركيا.

كما أنه توجد مخاطر وضغوط على عملات كل من جنوب أفريقيا والهند والمكسيك وروسيا، بالإضافة إلى انكشاف لبنوك أوروبية (إيطالية وإسبانية وغيرها) على القطاع المالي التركي.

ولن يكون ذلك في صالح أوروبا على أية حال من جوانب جيوسياسية أيضا نظرا لموقع تركيا الجغرافي بين أوروبا ومناطق مضطربة سياسيا في الشرق الأوسط وإيوائها لإعداد كبيرة من اللاجئين السورين.

الإصلاحات المطلوبة
يجب ألا ينظر فقط للجانب السلبي من هذه الأزمة، فمن الممكن أن تؤدي (هذه الأزمة) إلى تقوية الاقتصاد مستقبلا إذا دفعت:

 أولا: نحو التحول السلس أو بأقل خسائر ممكنة من نموذج نمو (في قطاع الأصول) قائم على الدين الخارجي نحو بناء القدرات الذاتية الإنتاجية للاقتصاد التركي في مجال التصنيع الموجه للتصدير على وجه الخصوص واستقطاب رؤوس أموال طويلة الأجل إلى قطاعات إنتاجية ذات قيم مضافة عالية، كالتصنيع والتكنولوجيا وليس رؤوس أموال قصيرة الأجل مضاربة في أسوِاق المال والعقارات، وتوظيف رأس المال البشري والتكنولوجيا لذلك الغرض. وتركيا لديها الإمكانات لتحقيق ذلك.

ثانيا: نحو إيجاد البدائل وتقليص الاعتماد على أميركا والمزيد من تنويع الشركاء التجاريين والماليين (مع القوى الصاعدة وغيرها).

ثاليا: نحو إجراء إصلاحات على السياسات الاقتصادية الكلية، وتبني سياسة نقدية أكثر استقلالية وموجهة نحو احتواء التضخم. والطريقة التقليدية والأسرع لمواجهة التضخم هي برفع أسعار الفائدة، وذلك مطلوب الآن أيضا للحد من خروج رؤوس الأموال. ولكن الرفع الكبير دفعة واحدة -كما يطالب البعض- قد يأتي بنتائج عكسية ويضر بالقطاع المالي والاقتصاد التركي.

وعلى الحكومة الحد من الاقتراض الخارجي والعمل على خفض العجزين (في الميزانية والحساب الجاري) لطمأنة المستثمرين، وتطبيق معايير احترازية أكثر صرامة في مجال الاقتراض الخارجي.

وأتحدث هنا من منظور تجربتنا الناجحة في قطر على مستوى دول مجلس التعاون وغيرها من دول العالم، خلال الأزمات المالية السابقة والتي أشاد بها صندوق النقد الدولي.فرفع أسعار الفائدة والتضحية بالنمو مؤقتا يأتيان لصالح تعزيز الاستقرار المالي الآن، والنمو مستقبلا.

"
سياسات الثور الهائج التي يتبعها ترامب، ينطح يمينا وشمالا، لا يفرق بين عدو ولا صديق، سيكون لها تأثيرات على التجارة الدولية، وفي الغالب ستدفع الكثير من الدول المتضررة إلى السعي للتعاون فيما بينها لحماية مصالحها الاقتصادية القومية
"
ملامح النموذج الجديد
بالفعل أعلنت الحكومة التركية عن تبني نموذج اقتصادي جديد تتمثل ملامحه الرئيسية في:

أولا: التأكيد على مبدأ استقلالية البنك المركزي وتعزيز الاستقرار المالي، لتعزيز ثقة المستثمرين.

ثانيا: خطة للحكومة في استكمال المرحلة الأولى من الخروج الاقتصادي الآمن من اقتصاد الطفرة هذا العام من خلال خفض النمو بحدود 3% ، والتركز على ثلاث أولويات وهي محاربة التضخم بقوة، وخفض العجزين؛ في الميزانية إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي الحساب الجاري من 5.5% إلى 4%.

كما أعلن البنك المركزي يوم الاثنين عن اتخاذ إجراءات لدعم الليرة وتعزيز السيولة، فخفض نسب الاحتياطي الإلزامي على العملتين المحلية بـ 2.5%) والأجنبية بـ 4%، وهذه الإجراءات ستتيح ما قدره عشرة مليارات ليرة، وستة مليارات دولار، وما يعادل ثلاثة مليارات من الذهب لدعم السيولة المحلية.

وبالفعل حدت هذه الإجراءات من تدهور الليرة التي ارتفعت من أدنى مستوى لها عند 7.24 ليرات للدولار الواحد إلى 6.98 يوم الاثنين، ولكنها لا تزال تحت ضغوط البيع.

كما أطلقت السلطات حملة تحقيقات حول المئات من حسابات التواصل الاجتماعي التي اتهمت بأن لها دورا أسهم في هبوط الليرة، ووصفها الرئيس أردوغان بشبكة من الخونة و الإرهابيين الاقتصاديين.

إن سياسات الثور الهائج التي يتبعها ترامب، ينطح يمينا وشمالا، لا يفرق بين عدو و لا صديق، سيكون لها تأثيرات على التجارة الدولية، وفي الغالب ستدفع الكثير من الدول المتضررة إلى السعي للتعاون فيما بينها لحماية مصالحها الاقتصادية القومية.

وعلى تركيا السعي في هذا الاتجاه لبناء علاقات اقتصادية مبنية على مصالح إستراتيجية مشتركة مع القوى الصاعدة، في الشرق على وجه الخصوص وغيره، وعدم الوقوع في فخ الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهي عادة الخطوة التالية والمدمرة التي تسعى إليها القوى الغربية الاستعمارية في مثل هذه الأزمات لامتصاص ثروات الشعوب وإبقائها في دائرة العبودية.

------------

باحث بالسياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي بمركز الاقتصاد الكلي ومعهد الفكر الاقتصادي المستجد بجامعة كمبردج البريطانية

انت الان تتصفح خبر بعنوان أزمة الليرة التركية بين الاقتصاد والسياسة ونحن فى بوابة أخبار مصر لا نتحمل أى مسؤولية تجاه هذا الخبر ويمكن الرجوع الى المصدر الاصلي للخبر من هنا الجزيرة نت

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق